نستكمل حديثنا اليوم مع الأب الروحى لمنتخب الإرهاب الدولى ومنظر جماعة الإرهاب والخراب وكتاباته عن العزلة الشعورية، والتى هى صناعة رابطة نفسية روحية عقدية بين أعضاء التنظيم، ليعيش العضو تلك العزلة مع وجوده فى الجغرافية الجاهلية، وهذه العزلة تمنعه من الذوبان فى المجتمع الجاهلي، والاندماج فيه، فلا تغدو ثقافة المجتمع الجاهلى ذات تأثير فيه، وهى علميا مسألة نفسية، ولو أننا حللناها فسنجد أنها خادمة لفكرة طاعة الأمير دون أى مخالفة، وخادمة كذلك لتماسك التنظيم.
بتحليل العزلة الشعورية يظهر أنها نوع من إعادة صياغة الدين، وفق مفاهيم سياسية خادمة لمشروعية التنظيم بطريقة دينية، فهى تصنع عقيدة سياسية/ دينية مغلقة، لا تقبل مجرد النقاش فيها مع الآخرين، وتستهزئ بأى فكر آخر يخالفها، ومن سلوكاتها خلوة العضو المنظم لتلك الجماعات مع نفسه، مرتين يوميا على الأقل، ومرة أو أكثر أسبوعيا مع أعضاء جماعته، ليتخيلوا أنفسهم أنهم يعيشون وحدهم فى مجتمع مثالى إسلاميا، لا يشاركهم فيه أحد من المجتمع الجاهلى، فبالعزلة الشعورية الفردية، يتلو الفرد أذكارا دينية، ويقرأ القرآن وتفسيراته من خلال أعلام تلك التنظيمات شرطا، وتمنع عليه القراءة لأى عالم إسلامى آخر، مهما علا كعبه، أما فى العزلة الشعورية الجماعية فيتحلقون حول بعضهم، ويشبكون أيديهم، ويقرأون وردا دينيا مملوءا بالدعاء من أجل نصرة الجماعة، وينتهى الورد بالدعاء من أجل تحقيق حاكمية الله عزّ وجل التى بايعوا أميرهم عليها أو الموت دونها!
يترتب على العزلة الشعورية عزيزى القارئ سلوكات أخرى، تتمثل بأن عضو التنظيم لا يحق له أن يخالط الآخرين المختلفين مع أيديولجيته، ولا يشترى من محل طعام أو لباس إلا من عضو معه فى التنظيم، والأكثر خطورة أن العزلة الشعورية يجب أن تولِد اعتقادا عند العضو بأن الأخ «الأيديولوجى» أقرب وأهم من الأخ «البيولوجى»، وهذا هو الأخطر فكريا، كذلك فإن صاحب العزلة الشعورية لا يصلّى الجمعة، اقتداء بسيد قطب، الذى كان يعد كل مساجد العالم مساجد ضرار لا تجوز الصلاة فيها! لكونها مقدمة للانخراط بالمجتمع الجاهلي.
هذه البِدعة القطبية تناولتها التنظيمات المتطرفة إسلاميا، وعملت بها وطبقتها تماما، كمرحلة انتظار تحقيق الحلم، بتحقيق النصر وإقامة مجتمع إسلامي، وزادت عليها من أفكار أبى الأعلى المودودي، ما أطلق عليه المودودى «التميز عن المجتمع» حتى فى الهيئات، فجاء كتابه «الحجاب» سنة ١٩٦٤، ومعه دخلت ظاهرة الحجاب العالم الإسلامى عصر الصحوة، وذكوريا كان التميز بلحية القيامة، حيث تترك اللحية دون تهذيب مهما طالت، وهذا اعتقاد يهودى لا علاقة للإسلام به، وكذلك أدخل الثوب «الباكستانى» أو ما يعرف خطأً بالثوب الأفغاني، حيث يكون ثوب الرجل قصيرا جدا، وتحته بنطال من جنسه، الذى بات يتميز به أعضاء تنظيم القاعدة سابقا وطالبان، وكذلك فيما بعد عناصر «داعش» و«النصرة»، وبذلك ما زال سيد قطب يقودهم من قبره.
انتقل بك عزيزى القارئ إلى العزلة الجغرافية والتى لها مرحلتان مرحلة قبل التمكين، وأخرى بعد التمكين، فقبل التمكين تكون من خلال معسكرات صغيرة، يخرج إليها أعضاء التنظيم للتدريب على الرياضة واستخدام السلاح، بحجة أنهم ذاهبون إلى الترفيه فى الإجازات، ولها بعد فقهى كذلك، لإسقاط فرض الجمعة عن الجماعة ومفارقة الجماعات المسلمة، فكما هو معلوم فقهيا أن صلاة الجمعة فى المسجد وحضور خطبتها فريضة، لذلك بخروجهم يوم الجمعة إلى الريف، تسقط عنهم فريضة الجمعة، أما بعد التمكين فهى الحيز الجغرافى الذى يعيش فيه التنظيم بعد أن يستغل فوضى ما فى بلد ما، فيتخذ لنفسه معسكرات منعزلة جغرافيا عن المجتمع الجاهلي، تعيش فيها عناصر التنظيم مع أسرهم، بحيث تتربى المرأة والأطفال بالعزلة الجغرافية، وتعيش أفكارها، وتمارس حياتها على نظم وقوانين الجماعة، ولا تقبل قوانين غيرها حتى لو كانت إسلامية، وهذا ما مارسته العائلات الداعشية، حتى بعد أسرها واعتقالها فى مخيم الهول بمحافظة الحسكة، إذ ما زالت تعيش العزلة الشعورية والجغرافية حتى داخل المعتقل، وللحديث بقية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض