نستكمل حديثنا اليوم عن الأديب منظر التطرف وافكار سيد قطب والتى ومازالت نبراس فريق الإرهاب الدولى، كيف حكمت أفكار قطب الجماعات المتطرفة؟ نلاحظ أن من درس فكر سيد قطب بكل بساطة سيتبين دون أدنى شك أن فكره يقوم على أربعة مصطلحات فقط، هذا الفكر المنبثق عن تلك المصطلحات يوجب سلوكًا محددًا يجب أن يلتزم به من يؤمن به، وهو ما تؤمن به التنظيمات الإسلاموية المتطرفة كلها، بدءًا من تنظيم التكفير والهجرة مرورًا بتنظيم القاعدة، ووصولًا إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وحتى جبهة النصرة، هذه المصطلحات الأربعة هى «العزلة الشعورية»، و«العزلة الجغرافية»، وهى ناتجة عن المصطلحين الاثنين الأساسيين اللذين نظر لهما قطب، وهما «جاهلية المجتمع» و«الحاكمية»، وسنقوم باستعراض المصطلحات الأربعة، ودورها فى ثقافة وسلوك التنظيمات المتطرفة.
حكم سيد قطب فى أفكاره المتأخرة التى كتبها فى المعتقل، بعد خلافه مع مجلس قيادة ثورة يوليو، بأن المجتمع المصرى مجتمع جاهلى، وبما أنه لا يرفض الحكم الناصرى الذى يعده قطب حكما مخالفا لحاكمية الله، ولا يعمل بشرع الله، فبالتالى كلّ من رضى بحكم عبدالناصر وانصاع له فهو جاهلى، ولو أدى شعائر الإسلام ونطق الشهادتين، وحول تلك المسألة قال قطب يدخل فى إطار المجتمع الجاهلى تلك المجتمعات التى تزعم لنفسها أنها مسلمة، لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل فى هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده فى نظام حياتها، فهى وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله تعطى أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها، موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد فى عبارة واحدة، أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها، ولم يكتفِ قطب بالحكم على المجتمع المصرى بالجاهلية، إنما عمم فكرته وحكمه على البشرية كلّها قائلًا ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن “لا إله إلا الله”، وهذا هو بالضبط حكم التنظيمات المتطرفة اليوم على المجتمعات كلها.
وشبّه المجتمعات الإسلامية بالمجتمعات الجاهلية قبل نزول رسالة الإسلام، من خلال مقارنة غريبة، إذ قال إنما كان شركهم الحقيقى يتمثل ابتداءً فى تلقى منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، الأمر الذى يشاركهم فيه اليوم أقوام يظنون أنهم مسلمون على دين محمد، كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين إبراهيم، هذا بعض ما قاله قطب عن جاهلية المجتمع، ولو تدبرنا ثقافة وسلوك التنظيمات الإسلاموية المتطرفة فى هذا السياق، فسنجد أنها لم تخرج قيد أنملة عن أفكار سيد قطب، التى تدرس فى كهوف تلك التنظيمات حتى يومنا هذا، وهى قاموسهم المقدس فكريًا، كما أن فتاوى ابن تيمية قاموسهم المقدس فقهيًا! وكنا نعرف ذلك نظريًا، ولكن عندما تمت أسلمة الثورة السورية وجاء المهاجرون القطبيون المنتمون إلى السلفية الجهادية، رأيناهم كيف يطبقون ذلك، فكان حكمهم على المجتمع السورى بأنه مجتمع جاهلى، سواء أكان مع النظام أم مع الثورة، فمن لا يقبل بالحاكمية الإلهية، ولا يكفر من لا يقبل بها، فهو من هذا المجتمع الجاهلى، مهما فعل فى الثورة، ولذلك اعتبروا كل من لا يقبل بأفكارهم هم (صحوات)، وقد أعدموهم فى معتقلاتهم، واغتالوا عددًا كبيرًا من الناشطين الثوريين الإعلاميين وغيرهم بتلك الذريعة.
وللحديث بقية