عندما يقفز إلى ذهنك سؤال الشيطان يلد أم يبيض؟.. لا تتعجب من هذا السؤال ولا تبحث عن الإجابة عنه، فكل الإجابات خاطئة وصحيحة فى الوقت ذاته.. ومن يدعى أنه يملك الإجابة الوحيدة الصحيحة فعليه أن يقدم لنا دليلًا ماديًا على ذلك.
هذا المفهوم ينقلنا إلى عملية تطوير منظومة التعليم بشكل عام وتلك التى يتنبناها ويشرف عليها الدكتور طارق شوقى منذ أن تولى وزارة التربية والتعليم فى ٢٠١٧ بشكل خاص، ولشخصه الكريم كل التقدير والاحترام.
هذا الرجل الحائز علي الجائزة الرئاسية الأمريكية للتفوق البحثى، وقاد تنفيذ العديد من المشروعات حول العالم فى مجال تطبيقات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات فى التعليم والعلوم والثقافة وتبوأ منصب مدير مكتب اليونسكو الإقليمى فى الدول العربية، يدافع عن ما قدمه من تطوير فى المنظومة التعليمة دون تقديم أدلة مادية على العديد من الأشياء التى تدعونا إلى الفخر بما تحقق من إنجازات على حد قوله، على اعتبار أن الطالب هو الهدف من التطوير ويجب أن يظهر الإنجاز عليه أولًا وآخرًا.
لكن على الجانب الآخر، لم يحدث - كما أظن وربما أكون مخطئًا- منذ إطلاق اسم التربية والتعليم على وزارة المعارف العمومية فى سبتمبر عام ١٩٥٤، أن يتم تقديم ١١٤ أداة برلمانية ما بين طلب إحاطة وطلبات مناقشة وأسئلة تستوجب حضور وزير التربية والتعليم للبرلمان للرد.. ولم يحضر!!.. أليس هذا دليلًا ماديًا على وجود خلل ما أو مشكلة ما فى هذا التطوير وهذه المنظومة فى عهد معالى الوزير.
يا سيادة الوزير: ١١٤ سؤالاً وطلب مناقشة وإحاطة بمشاكل العملية التعليمية، ونقص عدد المدارس فى العديد من مناطق الجمهورية، وسوء حالة الأبنية التعليمية، وارتفاع كثافة الفصول، ونقص عدد المدرسين، وشكاوى من صعوبة المناهج إلى قرار إلغاء التشعيب فى نظام الثانوية العامة، ثم تقول إن تناول المناهج على منابر الإعلام ووسائل التواصل شيء لم تره من قبل ولا يجب أن يكون وأن «متلقى الخدمة مش هو اللى يقول نعمل إيه ومنعملش ايه»..!!!!
يا معالى الوزير: إن متلقى الخدمة التعليمية من الطلاب وأولياء أمورهم، لا يحددون لكم المناهج ولا نظامها.. إنهم يعبرون عن معاناة حقيقية يعيشونها دون تزيد أو انتقاد لهدم المنظومة أو إيقاف مسيرة التطوير.. وليس فيهم من المتربصين لإقصاء وزير التربية والتعليم أيًا كان اسمه.. إنهم يعبرون عن واقع يعيشونه لا يشاهدونه فى مسلسل خيال علمي.
يا سيادة الوزير: ألا تعلم أنه هناك من يُستدان لتغطية طلبات ومستلزمات العملية التعليمية لأبنائهم، فى ظل مجانية وحق المواطن فى التعليم، بعد زيادة المصروفات التى تعد أهون شىء فى المنظومة كلها وربطها باستلام الكتاب المدرسى.
يا سيادة الوزير: هل تعلم أن الكتاب الخارجى أقل ثمنًا من كتاب الوزارة رغم تفوق الكتاب الخارجى على كتاب الوزارة فى الشكل والمضمون.
يا سيادة الوزير: إن إعادة بناء نظام التعليم فى مصر، بالتعاون مع بعض الدول التى طبقت نفس الأفكار من قبل مثل فنلندا وسنغافورة، والتى تأخذها دليلًا واسترشادًا لتطوير المناهج هنا، قد لا تصلح معنا، لأن المنظومة والظروف هنا مختلفة عن هذه الدول، فمثلًا: نجد أن نظام التعليم فى فنلدا الرفيع المستوي مجانى بالكامل، وأن الهدف عندهم أن يحصل الجميع على تعليم رفيع الجودة بغض النظر عن دخل العائلة، وأن جميع معلمى مدارس التعليم الأساسى فى فنلندا لديهم مؤهل تعليمى بدرجة ماجستير، وأن المعلمين لديهم حرية كبيرة فى التخطيط للتعليم بشكل مستقل وفقًا لخطة التعليم الوطنية وخطة التعليم المحلية، وغالبًا ما يكون للطفل نفس المعلم أو المعلمة خلال السنوات الست الأولى ليتعرف على تلاميذه بشكل جيد، ويستطيع أن يطور التعليم كى يكون مناسبًا لهم، كما توفر كل من سنغافورة وفنلدا تجهيزات وبنية تحتية متطورة لنجاح هذه المناهج الرفيعة المستوى.
يا سيادة الوزير: لا أحد يكره أو يعترض على تقديم خدمة تعليمية رفيعة المستوى لأبنائنا، ولكن كيف وقد اختزلتم العملية التعليمية بكل أركانها فى تطوير المناهج، وليس فى تطوير متلقى الخدمة ذاته وتحسين البنية التحتية للمنظومة كلها لتلائم هذا التطوير، فلن تجد سيادتك ولو بالصدفة فى هذه الدول الاسترشادية صورة لتلاميذ يفترشون الأرض لتلقى هذا المستوى الرفيع من الجودة، ولن تجد هناك أيضًا حوادث كالتى ظهرت بين أبنائنا بسبب الخلاف على مقعد داخل الفصل، ليعود التلميذ بعدها لأهله جثة هامدة.
يا سيادة الوزير: إن أولياء الأمور والطلاب يشعرون فى ظل مسيرة هذا التطوير كأنهم قد ارتكبوا جرمًا ولابد أن يعاقبوا عليه.. فرأفة بنا يا معالى الوزير.
لقد أصبحنا ونحن فى مرحلة البحث عن إجابات وحلول شافية، مثل قصة جحا عندما صعد المنبر يومًا وقال أيها الناس هل تعلمون ما أقول لكم؟ فقالوا لا.. قال: حيث إنكم لا تعلمون ما أقول فلا فائدة للوعظ فى الجهال، ونزل من فوق المنبر.. ثم صعد يومًا آخر وقال: أيها الناس هل تعلمون ما أقول لكم؟ قالوا نعم.. قال: حيث أنكم تعلمون فلا فائدة فى إعادته ثانيًا، ونزل من فوق المنبر، فاتفقوا على أن يقول جماعة منهم نعم وجماعة لا.. ثم صعد يومًا آخر المنبر وقال أيها الناس، هل تعلمون ما أقول لكم؟ فقال بعضهم نعم وقال بعضهم لا.. فقال لهم على الذين يعلمون أن يعلموا الذين لا يعلمون ونزل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض