خارج السطر
أعشق كشافات الإضاءة التى تُنير ممرات معتمة، وأستمتع برحلات البحث والتقصى وإعادة الكشف، خاصة إن كانت مدفوعة برغبة إنصاف وسعى للحقيقة، وكما كتبت كثيرا فإننى أتصور أن مُهمة الكاتب الأولى هى استهداف الحقيقة ونشدان الحق.
وبهذه الفلسفة استمتعت بكتاب الباحثة والكاتبة سامية محرز، أستاذ الأدب العربى بالجامعة الأمريكية، وهو أول كتاب لها باللغة العربية عن جدها لأمها الشاعر إبراهيم ناجى.
وفى تصورى فإن أجمل ما فعلته أنها خاضت رحلة بحث مثيرة بين أوراق وبقايا ذكريات جدها لتكشف لنا للمرة الأولى عن البطلة الحقيقية لقصيدة «الأطلال»، والتى غنتها كوكب الشرق أم كلثوم فخلدتها.
عندما كتب إبراهيم ناجى قصيدته بث فيها أشواقه لفتاة أحلامه التى أحبها وهو طالب بكلية الطب، ثم تقدم ليخطبها، لكن طلبه قوبل بالرفض لأنه لم يكن لديه ما يكفى لفتح بيت بتصور والدها. كانت الفتاة جارة للشاعر، وبعد أن تزوج وأنجب، وتزوجت هى، وأنجبت ومرت سنون وسنون التقاها فتذكر عهودا خلت فكتب قصيدته وأهداها إلى «ع. م».
وفيما بعد رحل الشاعر فى سنة 1953 عن عمر ثمانية وخسمين عاما، واحتفى محبوه بشعره وآثاره، ولعب أحمد رامى دورا نبيلا فى تخليده عندما اختار القصيدة مدمجة فى مقاطع من قصائد أخرى لتغنيها أم كلثوم سنة 1966. ونجحت القصيدة نجاحا مذهلا، واحتفى العرب بها، وحاولت الصحافة البحث والتقصى فيمن تكون بطلة القصيدة، وثارت أقاويل وحكايات تناولت فنانات معروفات وسيدات مجتمع، حتى نصّب الشاعر صالح جودت نفسه وصيا على إبراهيم ناجى وزعم أنه الوحيد فى مصر الذى يعرف البطلة الحقيقية لقصيدة الأطلال. ورغم أن صالح جودت كان يكن كراهية وحسدا لإبراهيم ناجى بانا فى مقدمة كتابه عنه إلا أن نفوذه وسطوته جعلا ما يقوله مقبولا فى ظل غياب تام لأسرة الشاعر نفسه، والذى لم ينجب ذكورا. وفيما بعد نشرت الصحف فى الثمانينيات أن صالح جودت باح بسره لبعض الأدباء وقال إن حبيبة الشاعر اسمها عنايات وأنها كانت من أسرة أرستقراطية تسكن إلى جوار أسرته.
لكن سامية محرز أعادت استذكار أوراق جدها ورقة ورقة، وفتشت فى تفاصيل قصصه التى كتبها، ووصلت إلى إشارة له فى إحدى يومياته فى سنة 1947 يتحدث فيها عن لقاء محبوبته بعد أكثر من ربع قرن، وكيف كان يريد أن يقبل يديها وقدميها وكيف استعاد صحته وعاد إليه شبابه، ثم يتحدث عنها باسمها الحقيقى «علية الطوير» وليست «عنايات» التى زعم صالح جودت أنها هى. وواصلت أستاذة الأدب رحلة تقصيها لتلتقى المؤرخ حسين عمر، حفيد علية الطوير نفسها لتعرف منه الحكاية المتداولة فى العائلة بأن جدته علية التى ولدت سنة 1900 وعاشت حتى نهاية السبعينيات هى مَن أحبها الشاعر وكتب فيها قصيدته الخالدة ليتطابق ذلك مع يوميات الشاعر التى تركها بخط يده ولم تنشر. والمثير أن علية أصيبت بالاكتئاب فى أواخر أيامها، وكانت تجول طرقات المنزل مثل الشبح، وتحكى لنساء العائلة أن قصيدة «الأطلال» التى غنتها أم كلثوم كتبت لها وعنها، وكن يسخرن من هذا الادعاء.
بخلاف هذه الحكاية ثمة جوانب إنسانية مُدهشة ومثيرة للألم فى سيرة إبراهيم ناجى حول ظروفه المادية ومشكلاته مع الوظيفة وهموم الحياة، وذلك الحس المرهف تجاه بنى البشر، والذى كان يجعله يطبب الفقراء مجانا، فيموت هو فقيرا.
قلت لسامية محرز بعد رحلتى مع كتابها الماتع: «لقد أبكيتينى».
لكننى لم أقل لها كم أسعدتنى باكتشافاتها المنيرة.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض