فى عالم تحكمه قوى خفية لا نعرف عنها سوى ما يظهر على السطح فقط؛ تصبح الدول والسياسات ما هى إلا نتاج شبكات معقدة من العلاقات، ومزيج بين الأفكار والتيارات ومراكز القوة والنفوذ، وبالتالى القوى العظمى بما فيها أمريكا ما هى إلا مجرد صور متصدرة المشهد السياسى العالمى فقط.
جميعنا يعلم أن تدخل أمريكا فى شئون الدول العربية والإسلامية وأغلب دول العالم تقريبًا، والمقرون بنصرتها القوية لإسرائيل لإخضاع العالم العربى كله، والذى أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه من الخليج الى المحيط، وتدميرها العراق وسوريا وتحويل شعبهما الى لاجئين لاحول لهم ولا قوة، والحرب الخفية على مصر. كل هذا يأتى حتى يتحق لها حلمها، بضمان سيطرتها على المنطقة بأكملها؛ تلك الاشياء ليست وليدة اليوم ولكنها بدأت تطفو بقوة على السطح منذ عهد الرئيس هارى ترومان الذى دشن فى عام 1945م إنشاء أول قاعدة عسكرية أمريكية فى الخليج العربي، كعلامة بارزة فى سياق توسع المصالح الأمريكية وبداية ظهور الإمبريالية الأمريكية وسيطرتها على العالم.
الولايات المتحدة أصبحت منذ الحرب العالمية الثانية القوة الأشد هيمنة على مصير العالم، وقد تعززت سيطرتها بعد سقوط عدوها الأكبر «الاتحاد السوفيتى سابقًا»، وما تبع تلك الفترة من تداعيات رسخت قوة أمريكا وتحكمها فى قضايا سياسية وعالمية شديدة الأهمية والحساسية، بدءًا من الصراع العربى الإسرائيلي، مرورًا بقضايا أمريكا اللاتينية، وصولًا للحرب على الإرهاب فى أفغانستان والعراق. والكثير من القضايا التى تتمتع فيها الولايات المتحدة الأمريكية بامتياز كبير وحصرى لها لصياغة شروطها وتوجهاتها، حتى وإن بدا للجميع أن هناك قوى أخرى تهدد هيمنة أمريكا وتشكل تحديًا أمام قوتها العسكرية، مثل روسيا التى تتدخل فى أوكرانيا وسوريا، أو كالصين التى بدأت تظهر فى الاقتصاد أقوى من أى وقت مضى.
وإذا كان أسياد الأمم فى عهد آدم سميث هم التجار والصناع، فإن أسياد البشرية الآن يتمثلون فى تكتلات الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، وقرائنها المالية والتجارية، كصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ومجموعة السبعة الكبار. هؤلاء يشكلون جميعهم عصرًا إمبرياليًا جديدًا، ويضعون القوى العسكرية تحت أمرهم وفى خدمة مصالحهم، أى أنه بشكل كبير يمكننا أن نقول إن من يحكم العالم هو مزيج من أصحاب السياسة وأصحاب الاقتصاد.
على مستوى السياسة الداخلية الأمريكية، ثمّة أدلة قوية على أنّ النخب الاقتصادية والجماعات المنظّمة التى تمثّل المصالح التجارية تحظى بقدرة واضحة فى التأثير فى سياسات حكومة الولايات المتحدة، فى حين أن المواطنين العاديين والجماعات التى تمثّلهم ليس لديهم سوى تأثير ضئيل جدًا فى هذه السياسات أو حتى يمكننا الاعتبار أنهم ليس لديهم تأثير بالمرة؛ وهذا ما يدعم نظرية هيمنة النخبة الاقتصادية و«التعددية الموجّهة»، وليس «الديمقراطية الانتخابية» أو «التعددية الأكثرية». ثمة دراسات عن العزوف الشعبى عن المشاركة فى الانتخابات أو ما يُعرَفُ محليًا بالـ electoral apathy ، نتيجة يأس قطاعات واسعة من الشعب الأمريكى من وجود تمثيل حقيقى لها خارج احتكار الحزبين الجمهورى والديمقراطي، بعد أن بات هؤلاء المواطنون على اقتناع تامّ بفشل الحزبين الرئيسيين فى البلاد فى أن يمثلا آراء الشعب ومطالبه.
ويبدو هذا واضحا بين المواطنين الذين يقعون أسفل التراتبية الاقتصادية بسبب انخفاض دخلهم أو ممتلكاتهم وأموالهم؛ فطبيعة التوازنات الداخلية الأمريكية، أصبحت تفرِضُ استبعاد آراء هذه الكتلة الاجتماعية من دائرة القرار السياسي، لمصلحة تزايد الدور البارز للنخبة الضيّقة التى تموّل العملية الانتخابية، وتتحكم بمسارها فى سبيل إدامة هيمنتها التى تتركّز على تحقيق مصالحها على أفضل سبيل ممكن، بصرف النظر عن مصالح الآخرين، وهو ما أطلق عليه المفكر الاقتصادى آدم سميث «أقصى حد للمنفعة». وتلك المشاهدات السياسية تؤكد أن القوة السرية لأسياد العالم لا نعرف عنها الكثير، والقوى العظمى مثل أمريكا هى الصورة الظاهرة منها على الشاشة فقط، ولا أحد يعلم مَن خلف الكاميرا؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض