رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

عندما طبق الأمريكى «هنرى ديفيد ثورو» فيلسوف «الحياة وحيدا» تجربته الذاتية عن الوحدة والعزلة فى منتصف القرن التاسع عشر، ليثبت لنفسه والعالم أن الانعزال من أعلى وأرقى القيم الإنسانية فى الاستغناء عن البشر والابتعاد عن دولة ظالمة، وأصدر فى حماس كتابه عن وقت وحدته، عندما فعل ذلك، لم يكن فى الواقع وحيدا تمامًا فى غرفة منعزلة بين أربعة جدران حجرية، بل عاش تجربة الوحدة فى حديقة «والدن بوند» التى كانت تضج بالطيور والكائنات الحية والبط الغواص فى «بركة» الحديقة، والذى كان يصدر أصواتا مرحة تسرى عنه، كما كان أناس يقبلون على الحديقة للتنزه والسباحة والتزلج على الجليد، ولصيد الأسماك من أسفل الثلج.

أى أن فيلسوف «الوحدة» ورافع راية الانعزال عن العالم، لم يكن فى الواقع وحيدا، بل كان مستمتعا بكل مظاهر الحياة، وان كان منعزلا فى تأملاته وكتاباته، أذكر هذا لأخلص إلى نتيجة، أنه لا يمكن لإنسان على وجه الأرض أن يعيش وحيدا منعزلا بين أربع جدران بمفرده، لا اتصال بينه وبين بشر أو كائنات حية، ويكون سعيدا، بل هو فى الواقع يحول نفسه إلى جثة تتنفس، ويسير بسرعة إلى الموت، الموت وهو حى، ثم الموت الأبدى بصعود روحه لخالقه، بعد أن تتراكم عليه الأمراض التى سببتها وحدته وعزلته، من قلق، اكتئاب، تصل به إلى رغبة الانتحار، سمنة، ضغط، سكر، أمراض القلب، السرطانات وغيرها، مما يقوده إلى نهاية مؤلمة وسريعة اكثر من غيره، نعم إن الأعمار بيد الله وحده، لكنها أسباب فى النهاية تؤدى للمرض والموت والسريع، فانعدام الرغبة والحافز والأمل فى الحياة، يهدم المناعة الطبيعية للإنسان، ويفتح الباب على مصراعيه أمام أبشع الأمراض والفيروسات لتهاجمه بكل شراسة، دون أى مقاومة منه.

قد يختار أى منا الحياة وحيدا فى بيته، دون زواج مثلا، أو دون علاقات متشابكة مع آخرين يفتحون عليه باب بيته، وقد يكون تفضيله لحياة الوحدة نتيجة انكسارات كثيرة تعرض لها فى حياته، وإيذاء وصدمات وخيانات ممن أحبهم ووثق بهم، فآثر السلامة والابتعاد عن البشر، ولكنه رغم هذا، يخرج للحياة، للعمل، للتواصل العام مع الآخرين، ولكن مع الاحتفاظ بالمسافات التى تضمن له وفقا لتصوره عدم التعرض مجددا للإيذاء من البشر، وقرار الوحدة هنا يكون اختياريًا، ونتائجه السلبية اقل ضررا على صحته النفسية والجسدية، لوجود نوع من التعويض فى حياته، بخروجه من بيته، تنزهه، عمله، اتصالات الخارجية مع الآخرين، حتى وإن كانت هناك مسافات خاصة يحتفظ بها لنفسه بينه وبين كل هذا، ولكنه رغم هذا لا يسلم أيضا من الآثار السلبية للوحدة، كل إنسان حسب شخصيته واحتياجاته فى الحياة.

لكن الأسوأ على الإطلاق أن تكون الوحدة والعزلة مفروضة فرضا على الإنسان، لعجزه، مرضه، عدم قدرته على العمل، أو على الخروج أصلا من منزله، أو التواصل مع الآخرين ولو بعيدا عن حدود مساحته الشخصية ببيته والتى يحتفظ بها لنفسه، وانفضاض كل الناس من حوله، لعدم اهتمامهم به، أو انه لم يعد يمثل لهم شيئا من مصلحة أو إضافة فى حياتهم، وهذا هو ابشع أنواع الوحدة على الإطلاق، وهذا النوع من الوحدة الإجبارى الذى يزيده ألما جحود ونكران البشر، وانفضاضهم من حوله، تكون له آثار خطيرة على الصحة النفسية والبدنية، ويشعر معها الإنسان انه سجين «بدلة» من حديد، بداخلها روحه وجسده، تضيق عليه يوما بعد يوم، لتخنق أنفاسه، ويتبدد سلامه النفسى وروح الحياة، فيموت نفسيا، قبل أن يموت أبديا، وأعود هنا لمأساة زميلنا على إبراهيم الذى مات وحيدا كفيفا منعزلا فى بيته، لم يسأل عنه أحد حتى عثر عليه جيرانه.

مأساة الزميل الصحفى متطابقة مع قصص إنسانية حقيقية لعشرات الآلاف من المصريين، الذين بلغوا سن التقاعد، فقدوا شريك العمر بالوفاة أو الانفصال، كبر أولادهم وابتعدوا بحياتهم واهتمامهم، أو علهم لم ينجبوا أو لم يتزوجوا من الأصل لسبب أو آخر، وانفض الجمع الإنسانى من حولهم، وأصبحوا بين جدران بيوتهم كمًا مهملًا، لا يزورهم أحد، ولا يسأل عنهم أحد فى عالم صارت فيه المصالح هى التى تحكم العلاقات بين الناس، هؤلاء المسنون، المعزولون، الوحيدون فى بيوتهم، يتم قتلهم إنسانيا قبل أن يموتوا بالفعل.

.. وللحديث بقيه.

[email protected]