من يملك المال والثروة يملك القوة والنفوذ والحكم، والسيطرة على الثروة محور الصراعات وأحد أهم أهداف الحروب، ويمكنك ببساطة أن تكسب المال أو تعثر عليه، يمكنك أن تسرق المال أو تزوره. أما أن تخترع عملة ليست لها أصول مادية ملموسة من الذهب أو الفضة أو مجرد الورق، ولا تخضع لإشراف أى جهة رقابية على مستوى العالم، بل مجرد واحد وثلاثين ألف سطر من الأكواد البرمجية، لتتجاوز قيمتها خلال الأسبوع الفائت 68.5 ألف دولار تقريبًا، فهذه هى القصة، وهذا ما فعله ساتوشى ناكاموتو مخترع البيتكوين، وهذا هو الموضوع:
- اخترع ساتوشى ناكاموتو «عملة البيتكوين» لتغيير الاقتصاد العالمى متأثرًا بالأزمة المالية التى سادت العالم عام 2008، والبيتكوين هى عملة رقمية مشفرة لا يستطيع أحد اختراقها، تقوم على مبدأ الند للند دون وسيط أو جهة مركزية تسيطر عليها، مع الأمان الكامل لسرية وبيانات متداولى هذه العمله بعيدًا عن أيدى السلطات وعيون الحكومات.
- الغريب أن العالم إلى الآن لا يعرف على الإطلاق من هو هذا الرجل أو هذا الكيان، أو من تكون هذه المؤسسة أو الدولة، رغم جهود البحث ومحاولات التتبع والتكهنات التى انتهت إلى لا شيء، فكل ما نعرفه عن الرجل كما ادعى هو أنه يابانى يبلغ من العمر ٣٦ عامًا، اخترع البيتكوين ثم اختفى.. وأصبح مشفرًا كالعملة التى اخترعها!!
- وبالرغم من انتقادات عدد من المستثمرين بأن البيتكوين «لا تساوى شيئًا» لأنها ببساطة لا يوجد لها احتياطى من الذهب مثلًا بل مجرد عملة افتراضية، فقد استطاعت هذه العملة أن تحقق مكاسب ضخمة، وحسب منصة «كوين ماركت كاب» لتداول العملات الرقمية ارتفعت قيمة البيتكوين إلى مستويات قياسية منذ أيام قليلة لتتجاوز قيمتها 68.5 ألف دولار.. ولا تزال البيتكوين العملة الرقمية الأكثر تداولًا مع العلم أن هناك أكثر من 13 ألف عملة رقمية مدرجة على «منصة كوين ماركت كاب» لتداول العملات الرقمية.
اهتمام عالمى متزايد
اهتمام رجال الأعمال وأثرياء العالم المتزايد بهذه العملة زاد من قيمتها فى السعر والمكانة، وشجع الملايين من الناس على البحث عنها والاستثمار فيها، فمثلًا:
- إيلون ماسك، الرئيس التنفيذى لشركة «تسلا» الأمريكية لصناعة السيارات الكهربائية وأغنى رجل فى العالم حيث تقدر ثروته بـ٣٢٣ مليار دولار، أضاف هاشتاغ «بيتكوين» إلى سيرته الذاتية عبر حسابه على موقع تويتر، فقفز سعر العملة بنسبة 16% فى يوم واحد، وكشفت شركة «تسلا» أنها اشترت عملة بيتكوين بقيمة ١.٥ مليار دولار، حسب ما ذكرته صحيفه وول ستريت جورنال.
- سميح ساويرس.. أول مصرى يقبل الدفع بـ«بيتكوين» للإقامة فى فندقه «تشيدى أندرمات» فى منطقة جبال الألب السويسرية، وذكر الفندق أنه سيسمح لنزلائه بتسديد نفقات إقامتهم فى الفندق بالعملتين الرقميتين «بيتكوين» و«إيثريوم»، وأنه سوف يدرس قبول عملات رقمية أخرى فى المستقبل.
- إريك آدامز عمدة نيويورك تعهد بعد نجاحه فى انتخابات المدينة مؤخرًا وتوليه المنصب رسميًا فى 1 يناير 2022 بأنه يخطط لجعل نيويورك «مركزًا لصناعة العملات المشفرة»، ويعتقد الرجل أنه يجب تدريس العملة المشفرة فى المدارس.
- السلفادور أول دولة فى العالم تعتمد «بيتكوين» كعملة قانونية، بعد موافقة البرلمان على هذا القانون فى خطوة غير مسبوقة فى العالم بتشجيع وتأييد من رئيس السلفادور نجيب أبو كيلة الذى أكد أن اعتماد العملة الرقمية المشفرة سيحقق للبلد الاندماج المالى والاستثمار والسياحة والابتكار والتنمية الاقتصادية، وتعزيز اقتصاده الذى يعتمد على التحويلات من الخارج، واعتبر أبو كيلة العملة الافتراضية أسرع الأساليب نموًا لتحويل مليارات الدولارات ومنع ذهاب الملايين للوسطاء.
- بيل جيتس أوضح أن عملية تعدين البيتكوين أو استخراجها ستكون مقبولة إذا اعتمدت على الكهرباء من مصادر الطاقة النظيفة، لأن عملية الحصول على هذه العملة تستهلك طاقة أكثر من أى وسيلة أخرى تعرفها البشرية، وهذا أمر غير جيد للمناخ.
مخاطر البيتكوين
أولى هذه المخاطر وأهمها على الإطلاق هى قدرة هذه الأنظمة المشفرة على إرسال الأموال من شخص لآخر دون وسيط، مع التعتيم والسرية الكاملة على هذه المعاملات، فالعملات المشفرة لا تحتوى على معلومات شخصية مثل الاسم والعنوان السكنى، وبالتالى ستكون أرضًا خصبة ومرتعًا للخارجين على القانون ومسرحاً لعمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب دون تعقب هذه الأموال أو معرفة مصدرها.
فعملية التشفير تستند إلى مجموعة متداخلة من العلوم أهمها علم الرياضيات البحتة الذى يضفى على التعامل بهذه العملات صفة الموثوقية واستحالة الاختراق، وتعتبر كل مجموعة تشفير كتلة أو سجلاً، والمجموعات المترابطة منها بالكتل المتسلسلة أو السجلات المتسلسلة، وهى فى الأصل سلسلة من السجلات الرقمية، يرتبط بعضها ببعض باستخدام التشفير، بحيث يحتوى كل سجل على جزء من شفرة السجل السابق، إضافة إلى ختم زمنى وبيانات تخص المعاملة، وبموجب تصميمها فإن السلاسل المجمعة يتعذر التلاعب فى بياناتها.
- زيادة استهلاك الطاقة الكهربائية التى تفوق استهلاك دول كاملة.. ووفقًا لدراسة أجريت من قبل مؤشر استهلاك البيتكوين للكهرباء بجامعة كامبردج، فإن الآلات التى تستخدم العملة المشفرة تتطلب طاقة أكبر من تلك التى تستهلكها هولندا، البلد الذى يبلغ عدد سكانه أكثر من 17 مليون نسمة، وتشير التقديرات إلى أن استهلاك تعدين بيتكوين شهرياً يفوق استهلاك الأرجنتين للكهرباء خلال نفس الفترة، ويعنى زيادة استهلاك الطاقة الكهربائية أن هناك زيادة فى انبعاثات الكربون إلى الجو، فى وقت تبذل دول العالم جهوداً لمحاربة التغير المناخى والوصول إلى معادل الكربون بحلول 2030، ولا تستهلك هذه الأجهزة الطاقة فحسب، بل تولد أيضاً الحرارة، وكلما زاد عدد الأجهزة المستخدمة، زادت سخونتها، بالتالى أنت بحاجة إلى تبريدها، ما يعنى طاقة كهربائية إضافية.
- ينتج عن عملية استخراج البيتكوين المعروفة بعملية التعدين كل عام 30700 طن من النفايات الإلكترونية، وفقاً لتقديرات عالم البيانات فى البنك المركزى الهولندى أليكس دى فريس وكريستيان ستول الباحث فى مركز أبحاث الطاقة والسياسة البيئية فى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، اللذين أكدا أن النفايات الإلكترونية تمثل تهديدًا متزايدًا للبيئة، من المواد الكيميائية السامة والمعادن الثقيلة التى تتسرب إلى التربة، التى تلوث الهواء والماء الناجم عن إعادة التدوير غير السليمة.
تجريم البيتكوين فى مصر
طبقًا لقانون البنك المركزى والجهاز المصرفى رقم 194 لسنة 2020، يعاقب بالحبس أو وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز عشرة ملايين جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف أيًا من أحكام المادة 206 من هذا القانون التى تحظر إصدار العملات المشفرة أو النقود الإلكترونية، أو الاتجار فيها، أو الترويج لها أو إنشاء أو تشغيل منصات لتداولها أو تنفيذ الأنشطة المتعلقة بها.
مملكة الظلام
الحقيقة أن عملة البيتكوين وأخواتها أشبه بمملكة الظلام المشفرة، فلا أحد يعرف من وراءها.. وماذا يريد؟.. ولماذا هذا النمو غير المفهوم لهذه العملة رغم المخاطر المرتفعة التى تنطوى عليها؟.. ولماذا تتزايد مكانتها فى العالم وتسعى دول للاعتراف بقانونية واستخدام هذه العملة المجهولة المصدر والهوية؟!!.. الإجابة عن هذه الأسئلة هى محاولة لحل شفرة «مملكة من الظلام» تسعى للسيطرة على العالم بخيوط عنكبوتية ليس لها أول من آخر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض