لا يمكن لأي دولة في العالم أن تقضي علي الفساد، ولكن محاربة الفساد تكون عبر مجموعة من الآليات التي تحجم من انتشار الفساد، فلنأخذ مثالا لذلك وأسألك أيها القارئ العزيز سؤالاً بسيطاً: هل تستطيع أن تبلغ عن رشوة حدثت أمامك بين مواطن بسيط وموظف في جهة ما؟ فقد رأيت أنه «يكرمش» له ورقة المائتي جنيه ليأخذ أوراقه ويأتي له بالموافقة التي هى أصلاً سوف يحصل عليها، ولكن بعد وقت ربما يطول لأيام أو أسابيع، هل لو حضرتك قمت بتقديم بلاغ فسوف يتم إثبات تلك الرشوة؟! اعتقد من الصعب إثباتها وسوف تصبح أنت المدان! فكل أوراقه سليمة وطلبه تمت الاستجابة له، ولكن ما وراء الكواليس لا يعلمه إلا الله وأنت رأيتها ولن تستطيع إثباتها، تلك حالة صحيحة أم ما تراه من مخالفات في كل شارع تسير فيه، فتلك قصص أخري.
ولنأخذ مثالاً آخر عن مخالفات المباني وفساد المحليات الخ، فنظام «كرمش ومشي أمورك ودفاتر وهتتقفل أسماء أي أسماء» شىء ملموس مما وصل إليه الحال، وظهور «الكحول» واسم و«بيشيل» القضايا، بينما الفاعل الأساسي ينعم بما حققه من مكاسب الخ، هو ومن سهل له طريق الفساد، فليس من المعقول أن البرج المخالف من 15 طابقا وغيره قد خرج إلي الحياة في ليلة واحدة! بل هناك من رأى وهناك من أرسل شكاوي وهناك من رفع مذكرة لمن يرأسه ومن ثم المذكرة تم تصعيدها إلي الرؤساء لتأتي مذكرة أو محضر آخر بطابق آخر ثم مذكرة لطابق آخر وهكذا حتي رأينا كل تلك الأبراج، وقد أصبحت واقعا ملموسا تعبر عن فساد لا يمكن السكوت عليه، وحسنا فعلت الحكومة في تقنين بعض المخالفات وليس كلها، والبحث عن الأسماء الفعلية وليس «الكحول»، وهو ما لمسته بشكل شخصي لبعض الأمور، وهنا يجب أن نضع في الصدارة المواطن الذي قبل شراء وحدة سكنية مخالفة وهو يعلم جيداً أنها مخالفة وقد قبل لأنها اقل سعراً عن تلك الوحدة السليمة إجراءاتها وهذا واقع أيضا ملموس، ثم الآن يبكى ويصرخ قائلا «شقا عمري»، كل تلك الظواهر وراءها «كرمش ومشي أمورك»، صعب أنك تثبت جريمة الرشوة ولو اقتربت منها لأصبحت مهدداً بالسجن ودفع تعويض للراشي والمرتشي!!
عزيزي ليس معني سؤالي السابق إن ظاهرة «كرمش ومشي أمورك» بلا حل أو أنه سؤال سوداوي يبعث في نفسك التشاؤم، وإن الرشوة وباء لا يمكن القضاء عليه أو إنني أحذرك من أن تقاوم الرشوة، ولكن لو تم فصل العلاقة المباشرة بين المواطن والمسئول أياً كان لاستطعنا أن نحجم تلك الظاهرة، وهو ما تسعي له الدولة حالياً، فتقديم الخدمات الإلكترونية وإن كانت تكلفتها أكثر قليلاً فإنها أقل كثيراً عما تدفعه من «كرمشات» وشاي وهدايا، ودعنا نستبق الأحداث بنظرة فيها بعض من الواقع، أنت في منزلك وتحتاج لخدمة ما وقمت بالدخول علي الجهة التي تريد الخدمة منها، وقمت بطلب الخدمة وتمت الموافقة في خلال 48 ساعة أو قل علي أكثر توقع بعد أسبوع وتم الانتهاء من طلبك وأصبح جاهزا لاستلامه، فكم موظفا تقابلت معه؟ وكم «كرمشة كرمشتها» وكم من الوقت تم استهلاكه في طابور شباك الخدمة؟ وكم من النقود صرفتها جيئةً وذهاباً إلي الجهة؟
أتذكر كانت هناك قضية مشهورة منذ حوالي 8 سنوات عن تلقي مدرسين بشبرا الخيمة رشوة لقبول أبنائهم في مدرسة ما، وعندما زاد عدد المقبولين بطريقة فجة وظهرت علي السطح شكاوي أولياء الأمور واتضحت الحقيقة، وتم تحويل الموضوع إلي جهات التحقيق، أما الآن فأصبح التقديم الكترونيا وإن كان لدي بعض الملاحظات عليه، إلا انه حد من الظواهر السلبية التي كانت تحدث سابقاً وهي «كرمش ومشى أمورك»
أخيراً تعامل الدولة برقمنة مؤسستها بالمستقبل القريب سوف يرفع شعار «ليس للموظف المرتشي كرسي يجلس عليه».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض