رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

فى إمبراطورية «آشانتى»، حيث كانت تنتمى لها تلك البلدة الجميلة ذات الخيرات الكثيرة المنهوبة، نزل الحاكم الطيب من البرج العالى العاج المزين بالرخام، والذى بناه له بسوء قصد هذا المستشار الشيطان ليعزله عن الشعب فلا يسمع أصوات أنين أمراضهم ولا صرخات جوعهم وفقرهم بسبب الجبايات التى كان يغالى فيها المستشار وأعوانه، حتى ساد الغضب، خاصة مع تلك «التكايا» الوهمية التى كان المستشار يبنيها، ولا تحمل أى خير أو طعام وشراب للشعب، بل للأثرياء فقط، فقد كان المستشار اللئيم يكن للحاكم الطيب كل عداء وبغضاء، ويتمنى أن يجلس مكانه على كرسى الحكم.

وعندما نزل الحاكم ليسير بين جموع الشعب ويتفقد أحوالهم، مستندا على تقارير مستشاره بأن «كله تمام وبخير»، أمر المستشار الشعب بالتجمع للاحتفاء بالحاكم والتهليل والتصفيق له مع الدعاء الطيب، لكن الشعب الذى كان محكوما بالرعب، وقد تم قطع الألسنة الجريئة المعارضة منهم فى بشاعة، لم يهتف للحاكم، حتى الألسنة التى لم تقطع، كانت قد جفت فى حلوق أصحابها لفرط ما فرض عليها من صمت وإرهاب.

تعجب الحاكم الطيب، انها المرة الأولى التى لا يهتف فيها الشعب، ولا يدعون له، ويقرأون قصائد المدح فى شخصه، صرخ المستشار بصوت جهورى فى الشعب، محفزا إياهم على التهليل والتصفيق، لكن لم يحرك احدهم ساكنا وكأنهم تماثيل من الحجر، فاستشاط غيظا، وبادر هو وأعوانه بإحضار طبول ضخمة، وظلوا يدقون الطبول فى صخب ترحيبا بالحاكم بدلا من أصوات الشعب الغاضب الصامت، كان غضبهم من الحاكم لأنه تركهم فريسة المستشار الشيطان، فيما تفرغ هو للاحتفالات مع ملوك الإمبراطوريات بافتتاح التكايا الفارغة من الخير، انزعج الحاكم تماما، رغم شعوره لحظات بالطرب من صوت «التطبيل»، فاقترب اكثر من الجموع، محاولا أن يسأل بعضهم عن سر هذا الصمت، لكنه كلما اقترب منهم، ابتعدوا عنه، حتى خلت الساحة من الشعب بكل أطيافه، وانفضوا إلى حياتهم التعسة، فيما بقى المستشار وأعوانه يطبلون وحدهم.

عاد الحاكم إلى البرج العاج المزجج بالرخام، وهو حزين، لأن الشعب لم يعد يهتف له، لم يعد يحبه كما كان، استدعى المستشارين وعلى رأسهم هذا الشيطان الأشر، وطلب منهم تفسير ما حدث، فلم يخبره أحد بحقيقة الأمر خوفا من بطش كبير المستشارين، وتطوع هذا الشيطان ليخبره، بأنه هو من قرر استبدال هتاف الشعب بالتطبيل، فهذا اجمل من دوى الهتاف أو التصفيق، وتمكن بطريقته الثعلبية أن يقنع الحاكم بذلك، وبأن هذا التطبيل اصبح معبرا عن الجمهور له.

وهكذا لم يعد مهما لدى الحاكم الطيب أن يحتفى به الشعب، ولم يعد يهتم بأن يرصد بنفسه رضاهم أو غضبهم، أو رفضهم لفرض جبايات جديدة على كل تفاصيل حياتهم، ولم يعد يفكر حتى فى النزول اليهم مجددا، لأنه المستشار كان بين يوم وآخر، يأمر بقرع الطبول حول القصر، فينتشى الحاكم بصوت «التطبيل»، ويملؤه شعور الغرور والكمال، وبأن كل شيء فى بلدته صار على ما يرام.

كان المستشار اللئيم يسرب لأهل البلدة أن الحاكم هو الذى يصدر كل قرارات الجباية وتفريغ جيوبهم من المال وبيوتهم من الخير، فأصبحت كراهيتهم للحاكم هى المحرك لهم، ليستجيبوا لإيعاز المستشار بالثورة، فعمت الفوضى والخراب، واقتتل الفقراء مع الأثرياء، وهجموا على قصورهم وبيوتهم ونهبوها، وصارت الدماء والأعراض مستباحة، وهجم الغاضبون على القصر للنيل من الحاكم، واسرع المستشار إليه مدعيا انه يسعى لإنقاذه، وقام بتهريبه عبر سرداب خاص فى القصر أعده لمثل هذا اليوم، بعد أن أقنعه بتوقيع وثيقة تنازل عن الحكم بصورة مؤقتة له حتى تهدأ الأوضاع، وما إن حصل على الوثيقة حتى قطع رأس الحاكم، وتربع على كرسى الحكم، ولم ينسَ أن يأمر مستشاريه بقرع الطبول له حول القصر، بعد أن أقنع نفسه بأنها طبول التأييد من الشعب، لقد صدق كذبته التى صنعها بنفسه، وبدأ الشعب الطيب مرحلة جديدة من الحكم بالنار والحديد، فيما الإمبراطوريات الأخرى تراقب ما يحدث لهذه البلدة فى سعادة، لأنها لن تنافسهم بعد الآن فى القوة، وخيراتها ستصبح مستباحة لهم مع الحاكم الجديد الذى لا يسمع سوى صوت الطبل.

[email protected]