خارج السطر
فى بلادنا تبدو البدايات مبهرة، والنهايات مأساوية.
فى لعبة الحكم بالعالم العربى ينقلب الثوار إلى طغاة، ويصبح المطالبون بالحرية أعداءها متى وصلوا إلى الحكم. كل ثائر يتعرض للثورة عليه يوماً ما.
مات عبدالعزيز بوتفليقة، الرئيس الجزائرى السابق مطروداً ملعوناً ومهاناً وهو الذى بدأ حياته ثائراً فريداً فى سبيل الحرية. كان الرجل مجاهداً ضد الاحتلال الفرنسى وعمره تسعة عشر عاماً، وتولى قيادة منطقة عسكرية هامة، وهو فى الثانية والعشرين، ثُم أصبح وزيراً فى أول حكومة جزائرية وعمره 24 سنة. وعندما عاد للحكم بعد حرب أهلية شرسة، كان الوحيد القادرعلى نشر السلام وإقرار المصالحة حفاظاً على أرواح الجزائريين. لكن أجيالاً جديدة من الجزائريين لم تغفر له تحوله للفساد فى ظل شيخوخته التى صارت شيخوخة للدولة.
معمر القذافى، هو الآخر كان ثائراً نبيلاً فى البداية، يدعو إلى تذويب الفوارق فى المجتمع الليبى الذى كان يعيش فى فقر مدقع، وبدأ عصره بإصلاحات جريئة تدعو للفخر، ثُم تحول رويداً إلى ديكتاتور لا يقبل الرأى الآخر، ثم صار طاغية شديد الدموية، وسفاح مصاب بجنون العظمة، وتربع على عرش ليبيا أربعين عاماً قبل أن يُطاح به فى مشهد مهيب ينتهى بقتله بطريقة بشعة.
جمال عبدالناصر نفسه، كان شاباً رومانسياً حالماً يكره النفاق ويعتبره أحد أخطر آفات مصر وكتب فى خطاب أرسله إلى صديقه حسن النشار سنة 1941 يقول «ويحزننى يا حسن أن أقول إننا نسير إلى الهاوية. فالرياء، والنفاق تفشى فى الأصاغر نتيجة لمعاملة الكبار. ومع ذلك فقد تقبل الرجل النفاق من كل من حوله وألزم به الجميع بعدما صار زعيماً، حتى إنه لم يتقبل من زملائه فى مجلس قيادة الثورة أن ينادوه جمالاً كما كان، ثُم صار ديكتاتوراً عظيماً.
وحسبى أن أقول إن الناس فى بلادى استبشروا خيراً بأول خطاب للرئيس حسنى مبارك عندما تولى رئاسة مصر عقب اغتيال السادات، والذى قال فيه بوضوح: «إن الكفن ليس له جيوب». لكن يبدو أن تفصيلة الكفن تغيرت مع مرور السنوات فصار الكفن له جيوب علنية وسرية لا تعد ولا تحصى.
ولا شك أن تحولات الثوار والنشطاء فى بلادنا تدفعنا للاعتبار والعظة والتعلم، وتدعونا دائماً أن نفكر فى أمرين بالغى الأهمية. الأمر الأول هو أن طول فترات الحكم سخف شديد وخراب مؤكد، حتى لو كان الحاكم قديساً نبيلاً، ذلك لأن تبدل الأشخاص سلوكياً وتحولاتهم السلوكية سمة طبيعية لبنى البشر. مَن ذا الذى لا تنقلب أحواله إن رأى القامات منحنية والآذان صاغرة ولم يسمع سوى كلمة « تمام»؟
والأمر الثانى هو أن هناك حاجة ماسة، لإعداد كوادر قيادية تصلح للحكم، علماً وفهماً وإدارة. نحن نعانى من غياب الصفوف الثانية على كافة المستويات، لذا نخضع لضربات الحظ عندما يصبح أى موقع هام شاغراً.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض