على فكرة
مفارقة ومغالطة أحاطتا بالتعليقات على الانتخابات التشريعية المغربية التى ظهرت نتائجها أمس الأول. والمفارقة تكمن فى الهزيمة المدوية لحزب العدالة والتنمية،الجناح المغربى لجماعة الإخوان، فى نفس الوقت الذى تعود فيه حركة طالبان المنتمية لتيار الجهاد الإرهابى، إلى حكم أفغانستان، بمباركة أمريكية وغربية. وكان الظن أن تلك العودة سوف تعزز مكانة تيار الإسلام السياسى فى المنطقة، وتفسح له مزيدا من الفرص، لكن تلك النتيجة تقدم إجابة مناقضة.
أما المغالطة، فهى النفى القاطع للربط بين هزيمة الإسلاميين المغاربة، وبين التطورات التى تجرى فى الواقع الإقليمى، وأطاحت فى السودان بحكم الإنقاذ الإخوانى،وثورة التصحيح التى يقودها بدعم شعبى واسع النطاق، الرئيس قيس سعيد فى تونس وأزاحت حركة النهضة،وتسعى،لمحو آثارها التخريبية التى لحقت بالبلاد، على مدار عشر سنوات،من مشاركتها فى الحكم وانفرادها به. كل هذا بعد السقوط المدوى لحكم الجماعة فى مصر، هذا فضلاً عن التراجع الذى ترصده استطلاعات رأى لستة مراكز بحوث تركية، عن تدهور شعبية الرئيس التركى أردوغان، وحزبه الحاكم العدالة والتنمية الفرع التركى لجماعة الإخوان. وهى نتيجة منطقية، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، والتدهور غير المسبوق فى قيمة الليرة، والتوتر فى علاقات تركيا الخارجية، واشتداد قبضة الحكومة على حريات الرأى والتعبير، وملاحقاتها الأمنية لقوى المعارضة السلمية. وأخيرا غضب شعبى هائل، من علاقات الحكومة مع حركة طالبان الإرهابية، وعجزها عن حماية الحدود التركية من تدفق المهاجرين الأفغان.
هزيمة حزب العدالة والتنمية فى المغرب،هى مؤشر جديد على تراجع المكانة التى كان يحظى بها فى السابق تيار الإسلام السياسى فى المنطقة،حينما اتخذت جماعة الإخوان من انتفاضات ماسمى بالربيع العربى، مطية للوصول إلى الحكم، بالخديعة، وبالتحالفات مع الدول الغربية، وبالأوهام التى صدقها البسطاء عن ترفعها ونزاهتها ووعودها بالرخاء.
وكان الملك محمد السادس قد قرأ بذكاء، ما جرى فى دول الربيع العربى، فاقدم فى مارس عام 2011 على إدخال تعديلات دستورية تعزز الحريات العامة، وتمنح صلاحيات أكبر لمجلس الوزراء وتصلح من واقع البلديات. وفى ظل تلك الإصلاحات خاض حزب العدالة والتنمية الذى تأسس عام 1967،و يصف نفسه بأنه حزب وطنى ذو مرجعية إسلامية،الانتخابات.ومن المعروف أن تعبير الحزب عن مرجعيته الدينية محدود للغاية، كما هو لا يستطيع ان يزعم احتكار التحدث باسم الدين، لأنه فى بلد تحكمه ملكية دستورية، يعد الملك، فى المؤسسة الملكية أميرا للمؤمنين.
وخلال عشر سنوات، تصدر الحزب الساحة السياسية، وترأس حكومات ائتلافية، فتراجعت الأحوال المعيشية للمواطنين، وفشل فى تقديم مشروع تنموى ينهض باقتصاديات البلاد، ويعالج مشكلات الفقر البطالة والتهميش، بعيدا عن الشعارات الجوفاء، التى لازمت خطاب تيار الإسلام السياسى، وفى القلب منها شعار أن الإسلام هو الحل!
من الوارد أن تكون الاشقاقات الداخلية فى صفوف الحزب،وتعديل نظام التصويت، والاتهامات التى لاحقته بجنى منافع شخصية، وراء التصويت العقابى ضد مرشحيه،بوضعه فى المرتبة الثامنة، بثلاثة عشر مقعدا من بين 395 عدد أعضاء البرلمان،بعد أن كان يحظى ب 125 مقعدا فى انتخابات 2016. هذا وجه من أوجه الهزيمة، لكنه لايكفى لتفسيرها،إذا كان الحزب قد خسر فى الفترات الأخيرة، فى انتخابات النقابات والمحليات،مما يؤكد هشاشة وضعه وتآكل شعبيته.
هزيمة إسلامى المغرب، هى مواصلة لفشل مشروع الإسلام السياسى فى حكم منطقتنا. لكن المؤكد أن اقتلاع هذا المشروع بشكل نهائى، مرهون بأنظمة حكم رشيد، تًرضى طموحات الشعوب، وبسياسات تدافع عن مصالحها، وتحقق لها العدل الاجتماعى والعيش الكريم، وتحميها من تلاعب مغامرين وفوضويين ومتاجرين بالدين بمصير أوطانهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض