خارج السطر
أقدر كباحث وصاحب قلم عطاء الإمام البخارى اللامحدود. جاب الرجل الأقطار وجمع وحرر وصفى وانتقى واختار وفكر وتدبر وأبدع وترك لنا علما نافعا عظيما نسأل الله له الأجر، لكن هذا العمل فى النهاية ليس دينا وليس مقدسا.
وكتاب البخارى يضم لنا أحاديث عديدة نتقبل ما يوافق القرآن والعقل والمنطق، ونتشكك فيما قد يثير شكوكا دون إساءة أو تهجم.
ولا يُمكن أن نتقبل للفكرة القائلة بأن البخارى هو الحل. والحل هنا هو حل لكافة المشكلات والمصاعب والخطوب والأوبئة، فالمؤلم أن تقديس البخارى يُمثل صرفا لنفوس الناس أن تعمل وتجتهد وتُعد وتستعد وتجالد وتجاهد.
ذكر عبدالرحمن الجبرتى فى تاريخه أن مراد بك حاكم مصر، لما سمع بوصول نابليون لغزو البلاد دعا المشايخ فى صحن الأزهر للاجتماع لقراءة البخارى لإنزال الهزائم بالعدو. ولم يضع القائد المملوكى أى خطة، أو يستعد بعتاد جيد، ولم يبنِ رجاءه بالنصر استنادا على تجهيزات وحيل وحشود وتدابير كما ينبغي، وإنما على بركة صحيح البخاري. وبعد ساعات قليلة من اشتباك البك، بقوات نابليون، انهزم أقسى هزيمة وفر مذعورا بعد أن خسر نصف رجاله.
وفى الحرب المصرية الحبشية خلال عهد الخديو إسماعيل، توالت الهزائم العسكرية على مصر ما دفع الخديو أن يسأل شريف باشا عن العمل. وجاءته الإجابة كحل سحرى بأن يدعو العلماء لقراءة البخاري، لننتصر على الأعداء. وبالفعل دُعى المشايخ للاحتشاد فى صحن الأزهر، وأخذوا يقرأون كل يوم صحيح البخاري، لكن هزائم الجيش لم تتوقف. وغضب الخديو، وذهب بنفسه إلى الجامع الأزهر وصاح فى القراء قائلا «إما أن ما تقرأونه ليس بصحيح البخاري، وإما أنكم لستم علماء.» لكن شيخا بسيطا اسمه على الليثى قال له «إن السبب فيك أنت يا مولانا، فأنتم تطلبون السماء بعد أن انتهكتم كل حرماتها على الأرض.»
والمؤسف بعد هذا الردح من الزمان أنه ما زال هناك مَن يعتقد أن كتاب البخارى حصن ضد البلاء. والأكثر غرابة أن يرد إلى دار الإفتاء قبل أسابيع سؤال حول مشروعية قراءة كتاب البخارى لدفع البلاء. وترد دار الإفتاء بالديباجة المعتادة بأن «كتاب البخارى هو أصح كتاب بعد كتاب الله، وقراءته باب جليل من أبواب العلم.» وتضيف بأن العادة فى مصر جرت بأن يقرأ البخارى لدفع البلاء والنوازل والغلاء وخسوف القمر، وعلى ذلك اجتمع علماء الأزهر، ومن هنا فإن قراءته بهذا الغرض أمر حسن.
وهنا فإن صاحب الفتوى لم يفكر فى علاقة كتاب بشرى يحمل الصواب والخطأ بالسماء. لم يُعمل الرجل عقله فى إذا ما كان ما اعتاد عليه سابقوه يحتاج لتدبر وتفكر أم أن مهمته ومهمة رجال الدين دوما هى أن يكرروا ما ورثوه عن السلف.
وإذا كان كتاب «البخاري» كتابا عظيما (وهو لا شك كذلك)، فهناك كتب عظيمة أخرى فى الدين والعلوم والفلسفة والأدب، وهى نتاج جهد بشرى يُحترم ويُقدر، فهل يكون تقديرنا لهذا الجهد بأن نمنحه القداسة، ونستعين به على خطوب الحياة؟
لقد كنت أنتظر من دار الإفتاء المصرية أن ترد على السائل بقولها إن نيل الفلاح والتوفيق والسداد لا يتحقق إلا بالعمل والمثابرة والإعداد والإتقان، وأن الأمم الراشدة لم تصبح كذلك بكلمات وترانيم وأحاديث يتم ترديدها فى لحظة سكون انتظارا للمعجزات.
والله أعلم.
mailto:[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض