رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

 

تعيد الأمواج لنا طحالبها كل فترة. يتجدد القبح فى العالم، وتخطو جماعات القتل خطوات أوسع للأمام لتؤكد أن مقاومة الإرهاب ليست عملا مؤقتا، وأن جذوات التطرف ربما تخبو لكنها لا تنطفئ أبدا.

 

مَن يتابع الساحة الأفغانية مؤخرا يندهش، كيف عادت طالبان من الظلال، وكيف مدت قواها، وحققت انتصارات عسكرية مبهرة لتسقط مُدن البلاد مدينة إثر أخرى فى حوزتها!

فى الجمعة الماضي تخلى إسماعيل خان، المعروف بأسد هرات عن فكرة مقاومة الحركة الإرهابية العائدة وسلم المدينة لها طلبا للأمان، بعد أن استولت على معظم المدن فى سلاسة ويسر عقب انسحاب قوات الناتو من البلاد.

لم تمر شهور قليلة على نفض أمريكا يديها من أرض الجبال المقفرة حتى استجمع فلول التنظيم الدينى الأكثر تشددا قواهم وأسلحتهم وشطبوا نموذج الدولة المستقرة الذى سعت أمريكا إلى رسمه للعالمين.

كان من الواضح أن فكرة الدولة النموذجية الديمقراطية التى يُمكن إقامتها بدعم من الغرب مجرد شعار ساذج ليس له أصل على أرض الواقع، وهو ما حدث من قبل فى العراق الذى فقد العراق نتيجة أوهام السير وراء وهم صناعة النموذج.

وهكذا لم يجد الناس بأسا فى الارتداد لزمن جماعة كانت تخاصم الحضارة وتهدم آثار الحضارات السابقة باعتبارها أوثانا، وتفرض القهر على النساء وغير المسلمين، فتقبلوا عودتها ورفضوا مقاومتها، وربما رحبوا بها بحثا عن خلاص من هموم تتكالب ومشكلات حياتية تتسع.

ففى بلاد يستوطنها الفقر، ويستعمرها الجهل يُمكن لأى نابه لديه لحية ويردد بضعة آيات من القرآن أن يستعبد أمما وشعوبا، أن يحكم ويتحكم، وأن يقيم ممالك من الطائعين الخانعين، الذين لا يفكرون ولا يتدبرون.

وهذا هو الدرس الأهم لنا فى بلادنا. فمن يتصور أن الإخوان تلاشوا، ماتت دعوتهم، خبا تأثيرهم، وفقدوا قواهم واهم، فالنار تحت الرماد، ولو فُتحت الأبواب والنوافذ لانتشروا كالنمل وسادوا وسيطروا مرة أخرى.

إن المكافحة الحقيقية للتأسلم الانتهازى يحتاج لكلمات وأفكار وقيم ثقافية ومبادئ يتم غرسها فى المجتمع غرسا. لقد قلت من قبل إن الدولة والنخبة المثقفة ووسائل الإعلام مطالبون جميعا بالدخول بعمق فى صلب الخطاب الفكرى للإخوان، والسلفيين، وكافة الجماعات الدينية. لابد من مناقشات واعية، ولابد من كسر نمطية المواجهة، والأهم من ذلك لابد من فصل الخطاب الدينى بنقائه وبراءته عن السياسة وشئونها.

إن عودة طالبان تعنى أن الحرب على الإرهاب مستمرة، وأنها لا تقتصر على الأجيال المعروفة، وأن المحاكمات والملاحقات القضائية والحصار المفروض يجب أن يقوم على منهج استراتيجى يعبر بالمجتمع من عصر التدين الظاهرى، إلى ساحة الأخلاق الحميدة القائمة على التسامح والتآخى واحترام سيادة القانون.

أتصور أيضا أن عودة طالبان تدفعنا دفعا للتشبث بمشروعات التنمية كطريق حتمى ولازم لتحديث حيوات الناس وكسر همومهم وإحداث تغيير حقيقى فى معاشهم، بما يجعل الناس أنفسهم خط دفاع حقيقى تجاه تجار الأديان.

والله أعلم.

‏[email protected]