رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

عندى ما يكفى من الجرأة أن أفكر فى الاتجاه المضاد. أؤمن أن الإنسان مطالب بالتدبر الدائم، وأرى أن رشف المسكوب من الشراب دون حق نزع السكرين منه تيه كريه. الجميل أن تفكر عكس القطيع، وتُعيد التجديف فيما يٌسمى مُسلمات تاريخية غير قابلة للفحص.

تمر ذكرى 23 يوليو سنة 1952 علينا كلحظة تدبر لأحداث فارقة فى تاريخ مصر، ويتكرر السؤال الخيالى المفيد: ماذا كان يُمكن أن يكون عليه الحال لو لم تقم ثورة الثالث والعشرين من يوليو؟

يُخبرنى صديق نابه، منفتح على العالم، معنى بالتاريخ وتحولات الأمم أنه يعكف منذ سنوات على كتابة تاريخ متخيل لمصر يفترض فشل تحرك يوليو. يتصور صاحب الافتراض أن عيون القصر علمت بحركة الضباط الأحرار مبكرا، وأن يوسف صديق لم يُبكر فى تحركه، وأن اللواء على نجيب (شقيق محمد نجيب) قام بالقبض على كافة قيادات الحركة من منازلهم كما كان مقررا، وأن المملكة المصرية أعلنت وأد تمرد مجموعة من المشاغبين وتم تحويلهم إلى المحاكمة.

بعد نحو سبعين عاما يُمكن أن نسأل ما كان سيُفضى به الحال وفق التطور الطبيعى للأحداث. ستجلو بريطانيا عن مصر حتما، وستنجو مصر من الوقوع فريسة فى مصائد المعسكر الاشتراكى، وستبقى التعددية السياسية دافعا للإصلاح المستمر وحافزا على تحسين جودة التعليم والصحة والخدمات.

وقطعا لم تكن لمصر أن تخوض حروبا ومغامرات خارج نطاق حدودها. وبطبيعة الحال كانت تجربة القطاع الخاص فى التنمية ستتطور وتُصلح بعض الخلل الاجتماعى السائد، وكان متاحا للاستثمار الصناعى فى هذا الصدد أن يحقق السبق والريادة ويمتلك التكنولوجيا والتطور.

وفى تصورى، فإن جماعة الإخوان المسلمين بخطابها الفاشى الاقصائى ستتلاشى بشكل طبيعى، فى ظل انفتاح المجتمع وغلبة التعددية، خاصة أن حركة يوليو كانت بمثابة عملية نقل دم لإطالة عمرها، لأن قرار حل الأحزاب الصادر فعليا فى يناير 1953 صب بشكل مباشر فى صالح الجماعة حتى بعد قرار حلها فى 1954. ذلك لأنه أنهى الوجود المؤسسى للتيارات والتوجهات السياسية تماما، فبات المواطن أمام خيار من ثلاثة هي: إما الإنزواء وهو قرار غالبية الناس، أو السير وراء قطيع المتملقين للسلطة تحت لواء التنظيم الطليعى أو الاتحاد الاشتراكى من بعده، وحزب مصر، ثم الحزب الوطنى. وكان الخيار الثالث اللجوء للتيار الدينى، صاحب الشعارات الرنانة، والعمل السرى أو العلنى تحت لوائه، وضد توجهات الدولة الوطنية.

كانت مصر أشبه بشاب طموح يصعد درجا طويلا سعيا وراء التقدم والتنمية، وكانت 23 يوليو إحدى الدرجات الملساء، التى هوت بالشاب الطموح إلى أسفل.

ولو كان لى أن أحتفل مع المحتفلين بذكرى يوليو، فسأطلب بود ومحبة ودون تعصب من مجموعة من الروائيين وكتاب السيناريو من مختلف التيارات السياسية بما فيها الناصرى تقديم نص مبسط يفترض تطور أحوال مصر لو لم تحدث الحركة أو الثورة ولم تشهد مصر هذه التغيرات الدراماتيكية. فالأمم تتعلم من الماضى، ولا يُمكنها قراءة قيمة الحدث، إلا بنفيه والمقارنة المجردة بعد ذلك.

وهذا ما نحتاج إليه ونحن نحتفل بذكرى الثورة، وبذكرى كل حدث، لعلنا نتعلم.

والله أعلم.

 

‏[email protected]