كثيراً ما كنت أتعجب عندما أراقب السائحين الأجانب وهم يمسكون بأيديهم خرائط وتجدهم ينظرون إليها ثم يشيرون إلى بعض الشوارع أو المعالم المميزة فى الشارع الذى يقفون فيه ومن ثم أجدهم يأخذون طريقهم نحو ما أشاروا إليه، ثم أقارن ما رأيته من السائحين بما أشاهده وأسمعه عندما أجد شخصاً من بلدى يسأل آخر عن عنوان معين فأجده يصف له خط سيره مستخدماً كلمتى «ادخل شمال وادخل يمين» ثم أفاجأ بشخص آخر يقتحم حوارهما ليقول له «سيبك من الكلام ده اسمع نصيحتى العنوان ده غلط وأنا هقولك على الصح»، ثم يبدأ فى شرح وصف طريق آخر فى اتجاه مغاير، بينما المتسائل وقف فى حيرة من أمره لا يعرف أيهما الأصح.
تذكرت كل هذا عندما تعرفت على مبادئ علم الطبوغرافيا وكيفية قراءة الخرائط وتعيين المحل وتحديد المواقع ومعرفة الاتجاهات وخصوصاً تحديد اتجاه الشمال لأنه هو المحدد الأول ومفتاح قراءة الخريطة بالطريقة الصحيحة، وقتها فهمت الفرق بين السائح الذى لا يسأل، بل يمسك خريطة ليسير عليها فى بلد يجهل لغته وشعبه وعاداته وكل شىء فيه، وبين ابن البلد التائه الذى يسير ليسأل عن عنوان فى وطنه ويقع فريسة لهذا وذلك، تذكرت كل هذا وأنا أتعرف على علم الطبوغرافيا وليس عن طريق وزارتى التعليم، بينما الأجنبى يدرس قراءة الخرائط منذ صغره فى مناهج التعليم، فتجده يمسك خريطته ويتجه إلى هدفه.
الغريب عندما رجعت لتاريخ علم الطبوغرافيا فوجئت بأن علم المساحة هو علم مصرى قديم النشأة، ويرجع إلى نحو عام 1400 قبل الميلاد فى عهد الملك سيزوستريس، وأن المصريين صنعوا خرائط على ورق البردى تشير إليها رسوم على الجدران وخاصة فى النوبة زمن رمسيس الثانى فى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
أليس الأحق لنا كمصريين أن نعلّم أبناءنا أبسط قواعد قراءة الخرائط وكيفية السير بها بدلاً من سؤال من يعرف ومن لا يعرف، أليس الأحق بنا بأن نعرّف أبناءنا كيف يحددون اتجاه الشمال فى أى وقت وفى أى مكان باستخدام المتاح لنا من معطيات سواء طبيعية أو صناعية ومن ثم معرفة أين نحن وإلى أين سوف نذهب؟ هل تعرف عزيزى القارئ أنك إذا وقفت وقت الظهيرة فإن اتجاه ظلك هو اتجاه الشمال فتضع خريطتك المحدد عليها نقطة الشمال فى اتجاه ظلك لتبدأ تحديد موقعك، ومن ثم تحديد هدفك والسير فى اتجاهه دون سؤال الآخرين؟!.
يا سادة إنه علم إذا تعلمه الصغير تفتحت مدارك عقله لما هو حوله وعرف طريقه دون سؤال الآخر حتى ولو لم يعرف لغته، فلغة الخرائط واحدة فى كل دول العالم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض