رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

ماذا حدث للمصريين فى نصف قرن؟

العنوان لكتاب شهير لكاتب فذ ساحر اسمه جلال أمين، والتساؤل مُكرر لى ولكل مُندهش من تحولات البشر مثلى فى هذا البلد.

صدمنى المشهد.. بدا لابس الجلباب الأبيض منهكا بفعل الزحام الشديد حوله، وطوفان من البشر يحاول لثم كفه ومعانقته باشتياق يفوق المحبة. كان الرجل ذو اللحية الكثة قد خرج لتوه من المسجد الذى زاره فى الصعيد خطيبا، ليفاجأ بعشرات الآلاف من البشر يحيطون به ويتنافسون للوصول إليه والفوز ببركاته.

كان هذا الرجل هو محمد حسين يعقوب الذى رأيناه قبل أيام فى المحكمة يقول إنه نصف متعلم، وغير متفقه فى الدين، ولا يعلم منهج داعش، ولا يعرف شيئا عن فقه الجهاد، ولا شىء آخر. كلام من هواء، و«هذا الزحام» كما يقول الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى.. «لا أحد».

لم أكن أعرف الرجل ولم أتخيل أن يكون هذا المتبوع بمئات الآلاف من المحبين والمريدين فى القرى والنجوع بهذه الضحالة. لا علم ولا فكر ولا يحزنون. صوت جهورى، وتعبيرات تمثيلية، وترديد سطحى لآيات القرآن وأحاديث النبى فى مواضعها وغير مواضعها.

أفهم أن يحب الناس الشيخ الشعراوى، رغم تقليدية آرائه وبعده عن الاجتهاد، وركونه إلى تكرار أفكار القروسطية دون تفكر. فهو على أى حال عالم دين، درس بالأزهر، وأنفق عمره فى البحث والقراءة والتفكير والاتفاق والاختلاف. لكن أن يُتيم الناس برجل لم يدرس علوم الدين ولم يُبحر فيها ولم يعرف مناهج العلم إلى هذا الحد، فلاشك أن ذلك يخبرنا إلى أى مدى سحيق انحدرنا بمجتمعا ونخبة ومتعلمين. لقد بنى الجهل مدائنه وسكن وعشش واتسعت أوجاع الناس، فبحثوا عن أى خلاص لهم، فأطل المتاجرون بدين الله، وقالوا «قال الله وقال رسوله وفعل الصالحون» فصدقوهم وأحبوهم إلى درجة العبادة رغم أن كثيرا منهم أفاقون وكذبة، همهم الأول هو الثراء ولا شىء آخر.

راجعوا معى ثروات الدعاة إلى الله فى بلادنا وقولوا لى ما يمتلكه حسين يعقوب من مهارات وعلوم وقدرات لتتجاوز ثروته مليار جنيه؟

ما يجعل مصطفى حسنى الذى يدعونا كل يوم للزهد إلى أن يطل علينا مرتديا تى شيرت (تصوروا «تى شيرت» ثمنه عشرون ألف جنيه)؟

ما هو العلم المُتاح لدى عمرو خالد لتعتبره مجلة «فوربس» العالمية قبل عشر سنوات أحد أهم محققى الثروات فى العالم العربي؟

ما يجعل محمد حسان يمتلك كل هذه الضياع والمزارع والمشروعات؟ وما هو العمل الذى يُربح أصحابه هذه الثروات المتكدسة؟؟

ببساطة، فكل هؤلاء وأشياعهم أثروا ببضاعة ليست لهم. اختطفوا الدين ونصبوا أنفسهم متحدثين باسمه، فجنوا الهبات، والتبرعات، والإعلانات، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والسيارات الفارهة، والقصور المُترفة. تزوجوا مرارا، وحازوا الدنيا كما لم يحذها إنسان بفضل القطيع الذى يخشع ويخضع لكل متكلم بالدين، ويقبل ما يقوله، ويؤمن به، ويقدم كل ما يملك طلبا لثواب يظنه موجودا لدى المتحدث بالدين.

أما العباد الحقيقيون، والعلماء الأجلاء فعاشوا مستورين، وماتوا مستورين. خفت ذكرهم، وظلت بصماتهم خالدة فى متون الكتب ليوم يبعثون.

وحسبنا أن ننظر اليوم بإجلال وتوقير لكتابات رعيل ملهم من العلماء فى الفكر الدينى مثل الإمام محمد عبده، الشيخ عبدالمتعال الصعيدى، والشيخ محمد أبوزهرة، والأستاذ أمين الخولى، فهموا الدين صلاحا وتواضعا ورقيا ورحمة ولم يتاجروا به ولم يحولوه إلى سلم للصعود ماليا وطبقيا.

والله أعلم.

 

‏[email protected]