على فكرة
مثل كثيرين غيرى، كنت أتمنى أن يكتب «مكرم محمد أحمد «مذكراته قبل رحيله. فهو يحمل على عاتقه نحو ستة عقود من تاريخ الصحافة المصرية فى العهد الجمهورى الذى شمل سبعة رؤساء، وتشابكت خلالها قضاياها المهنية والسياسية ، وتراكمت مشاكلها على صعيدى الصناعة ،والمنافسة من وسائط الإعلام الحديثة التى جلبتها ثورة الاتصالات. وخلال تلك العقود كان مكرم محمد أحمد شاهدا على ذلك التاريخ العاصف المليء بالتحولات والانتصارات والهزائم ، ومشاركا فى صنعه ، ومحاربا جسورا دفاعا عن قضاياه المهنية والوطنية، كاتبا ومحققا صحفيا ، ومحللا سياسيا ، ونقيبا للصحفيين، وإداريا لا يشق له غبار ، ومعلما لأجيال من الصحفيين.
وما أن انتهيت من قراءة التحقيق المميز غير المسبوق، الذى كتبته الكاتبة الصحفية اللامعة «هاجر صلاح «»فى صحيفة الأهرام ، عن حديث ،لم تشأ لها الظروف أن تجريه مع «مكرم محمد أحمد «حتى تأكد لى حجم الخسارة التى منيت بها الصحافة المصرية ، من عدم انجاز تلك المذكرات . فالتحقيق الذى انطوى على ابتكار فى الفكرة ، عكفت على إعداده محررة الإهرام عدة أسابيع ،تزيل الغبار عن كم هائل من ملفات لا حصر لها ،لكتابات «مكرم «لتكشف بحرفية وذكاء ،حجم التنوع والثراء فى رحلته ،التى لم يكن يفصل فيها بين دوره الصحفى والوطنى ، حيث قام بمهام لمساندة حركات التحرر الوطنى العربية فى عدن واليمن والجزائر، وقدم للقارئ العربى أول التحقيقات عن حقائق ما كان يجرى على أرض الواقع ، برؤية مثقف عروبى .
أبرز التحقيق كذلك شيئا هاما جديرا بالتوقف والتأمل . فالمبادئ التى ارساها مكرم محمد أحمد فى العمل الصحفى لا تزال راسخة فى الأذهان ، عصية على الذبول .وها هو جيل جديد تمثله الموهوبة «هاجر صلاح « يواصل السير على هداها ، ويتمسك بقواعدها ،كمهنة ذات رسالة تستخدم حريات الرأى والتعبير للدفاع عن مصالح عامة. وبهذا المعنى تدرك «هاجر صلاح»حجم المسئولية الملقاة على عاتق من يعملون بمهنة ترتبط بالضمير . فتدقق فيما تكتب ، وتحقق المعلومة من مصادرها الحقيقية ، وتقارنها بتنوع قائليها . لا تحصل «هاجر صلاح « على معلوماتها من ثرثرات الفسبوك ، ووسائل التواصل الاجتماعى ، التى تروج للشائعات ، وتعمل من الحبة قبة ، وتجعل من موضوعات تافهة قضية رأى عام ، ولا تتقفى شائعات المقاهى ، وجلسات نميمة لا سقف لها، لتحظى بخبر سُقع أو موضوع مثير . بل تجهد نفسها جهدا معرفيا ، للتوصل إلى الحقيقة ،فتجعل من أشلاء معلومات متناثرة هنا وهناك ، بناء متماسكا جذابا . وهى تفعل ذلك بلغة تنساب بين قلمها كالنبع الصافى ، فيدرك قارئها آنئذ معنى جملة «السهل الممتنع «.
لو أننى فى مجال إسداء النصح لطالب يتعلم كيف يصنع التحقيق ، وكيف تُكتب الصورة القلمية ، لأحلته إلى تحقيقات «هاجر صلاح» و إلى موضوعها العذب عن «مكرم محمد أحمد»التى صفت وقائعه كحبات عقد بهى جميل ،عله بحقائقه الناصعة المبهرة ،يخزى صغارا ممن لا يعرفون قيمته وقامته ، فسعوا لطمس تلك الحقائق .
أعادت لى «هاجر صلاح» الثقة فى الجيل الجديد من الصحفيين ، الذى أخذ بعضه يكتب قبل أن يقرأ، واتخذ بعضه الثانى من الصحافة مهنة للوجاهة الاجتماعية ، والتباهى بما ليس فيه.، وللصعود الاجتماعى والثراء ، بطرق لا علاقة لها ،لا بالكفاءة ولا بمواثيق المنهة وأهدافها .
رسمت هاجر صلاح لنفسها مسارا مهنيا ضد التيار . تيار الفبركة والاستسهال، تيار السطحية والتفاهة والخرافة ، تيار النميمة والفضائح. وأعلت بعملها من قيمة المنهة ، وقدست بالجهد والمعرفة والاستقامة ، رسالتها السامية ، ليهنأ مكرم محمد أحمد أن مازرعه فى مهنة الصحافة لايزال راسخا كصخر الجبال .
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض