خارج السطر
لو قُدر لى أن أختار أعظم مَن أنجبت مصر فى القرن العشرين لاخترت عقلا لا زعيما وطنيا. مُفكرا لا قائدا عسكريا. كاتبا لا صاحب ثروات ومبان. طه حسين لا جمال عبد الناصر، ولا حتى غيره.
طه حسين لا يعنى سوى طه حسين، وكفى. اسمه فعل، وذكره علم، واستعادته ضرورة، وإحياء رؤاه فرض عين على كل صاحب فهم ووعى.
من هنا، يملؤنى بهجة أن يأتى كاتب ولد بعد رحيله ليُنصفه ويجدد حاجتنا إلى استعادته وإحياء مشروعه مرة أخرى. أن ينشغل الباحث والكاتب النابه إيهاب الملاح بمشروع وافكار وآراء طه حسين ويدرسها بعمق، ويُحللها بوعى، ويُجدد طرحها بحماس، لتخرج فى كتاب رائع متميز، عن دار الرواق يحمل عنوان «طه حسين. تجديد ذكرى عميد الأدب العربي»، فهذا عمل خير وتحضر وسعى حسن باق للدار الأخرى.
فى محيط الأوجاع المتتالية، والأحزان الصاخبة ببلادى يطل طه حسين جميلا نبيلا ونادرا. أراه فى شموخه الوحيد القادر على حل مشكلاتنا واحدة تلو أخرى، فى عليائه، ورغم غيابه الجسدى، يبقى حاضرا وشاهدا ومُداويا لهموم وكوارث وأزمات تتوالى. كان الرجل نعمة من الله على مصر، عندما أطلق منهجه العقلى مُستفزا كتائب الجهل والركون والماضوية، مُقررا أن النهضة والتقدم لا تتحقق إلا بتعلم علاقة السببية، والأخذ بمنهج اعمال العقل فى كل أمر.
لقد كان طرحه لفكرة الشك نفسها أولى خطوات الإصلاح والتيقن، أن نشك فى كل كلام منقول، ونُخضع الأمور لمعيار المنطقية والمنفعة بعيدا عن القولبة الحزبية، أو الفئوية، أو التحيزات لعين وصاد وسين.
للأسف أطلق الرجل دعواه لإصلاح مصر قبل ما يقارب القرن، لكن صراعات الكراسى، والمكاسب، والسلطة حالت دون تنفيذ مشروعه، الذى كان يتبنى إصلاح العقل المصرى، وربطه بالعلم والمعرفة، ومنحه التعددية والقدرة على استيعاب كافة الآراء المخالفة، وتحرره من التعصب الدينى والمجتمعى.
يتصور إيهاب الملاح أننا فى أشد الحاجة والاحتياج لطه حسين، لما يمثله من رمزية، وما يحمله من تصور لتجاوز شروط التخلف والتراجع الحضارى والمادى. ويؤكد أنه خلال فترة اعداده وكتابته لكتابه الذى استغرق عشر سنوات كانت هناك أجيال جديدة ناشئة تتساءل: ومن يكون طه حسين؟ وما أهميته لنا؟ ولماذا يجب أن نقرأ أفكاره وكتاباته؟ بينما كانت هناك أجيال أخرى من الظلاميين، أصحاب الثقافة السمعية، لا تسأل ولا تبحث عن إجابه، وتستهل وصم الرجل بالزندقة والكفر ومحاربة الإسلام.
من هُنا يطرح «الملاح» مشروعًا لإحياء طه حسين، استعادته، واسترداده، وإعادة التبشير بأفكاره وإطروحاته، بأن نطارد المعرفة، وننتصر للعلم، ونُعلى القيم العامة على القيم الفردية، وأن نتقبل الآخر، وننفتح بتعقل، ورشد، ووعى، ونُغلق صفحات السلف، مُستقرئين المستقبل، ساعين إلى التقدم.
يكتب نزار قبانى راثيا طه حسين القيمة والقامة والمشروع «ضوء عينيك أم هما نجمتانِ/ كلهم لا يرى وأنت ترانى./ ضوء عينيك أم حوار المرايا/ أم هما عينان يحترقانِ/ هل عيون الأديب نهور لهيبٍ/ أم عيون الأديب نهر أغاني؟/ إرمِ نظارتيك ما أنت أعمى/ إنما نحن جوقة العميانِ»
ثم يواصل الشاعر بكاءه على عصره فيقول « عُد إلينا فإن عصرك عصرٌ/ ذهبيٌ.. ونحن عصر ثاني/ سقط الفكر فى النفاق السياسي/ وصار الأديب كالبهلوانِ/ عُد إلينا فإن ما يُكتب اليوم/ صغير الروئ صغير المعانى.»
يُدرك نزار قبانى قيمة طه حسين جيدا، ويؤمن إيهاب الملاح، وجمهرة قراء تاريخ مصر الحديث، وأنا منهم أن الرجل منحنا ما لم نُحسن الاستفادة منه، وأن إحياء مشروعه الفكرى هو الخلاص مما نواجهه ونراه ويوجعنا.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض