خارج السطر
لست اشتراكيًا، ولدىّ مبررات عديدة تجعلنى على خصام مع حقبة الستينيات فى مصر وأفكارها وتطبيقاتها العملية، لكننى ممن يرون أن تصحيح الأوضاع لا يكون باغتيال حق الإنسان فى العمل، وأن الإصلاح لا يعنى أبداً المحو، والتصفية، خاصة إذا تعلق الأمر بعمالة بالآلاف توشك أن تجلس جميعها فى بيوتها.
عن الحديد والصلب أتحدث، ذلك الصرح الصناعى الضخم الذى قررت الجمعية العمومية للشركة قبل أيام اتخاذ قرار تصفيته بعد اثنين وستين عامًا من العمل والإنتاج والتشغيل.
قالوا إن خسائر الشركة المتراكمة تزايدت ووصلت حتى 9.5 مليار جنيه، وإن الحكومة عاجزة عن سداد مديونيات الشركة، وإن الحل هو التصفية، وبيع المعدات خردة، وبيع الأرض تجارياً، وتعويض العمالة، لأن الإصلاح هنا بلا جدوى، وإن التطوير يستلزم ضخ أموال كبيرة ليس فى مقدور أحد تحملها.
وتلك الرؤية فى حد ذاتها رؤية قاصرة، محبطة، وموجعة للقلوب، وتعميمها يعنى أننا لن نتطور ولن نتقدم ولن نعالج ما حولنا من مشكلات، فالإصلاح لا يعنى أبداً الهروب، لا يعنى التصفية، وإنما دوما هناك حلول، وهناك أفذاذ، وهناك طرق غير تقليدية، وهناك خيال إبداعى، وهناك إرادة تغلب أى شىء، وتقر بما تشاء خاصة إن كان الأمر يرتبط بمشكلات اجتماعية وبتاريخ طويل.
إن أسوأ ما التصق بمنظومة الإدارة الحكومية فى مصر عبر تاريخها الطويل هو الهروب من الأزمة بترحيلها أو تأجيلها، وفى كثير من الأحيان كان يتفتق ذهن المسئول عن قول إن الحل هو الحل، وإن أى قطاع يُسبب أرقاً وصداعاً، فالأولى إغلاقه. بل إن الأمر وصل فى بعض الأحيان إلى إغلاق مؤسسات كبرى مثل الرقابة الإدارية بسبب شكاوى البعض منها.
تتكرر الفكرة بسيناريوهات مختلفة، وفى أزمنة متعددة، وتمتد ببطء إلى صروح صناعية كبرى كانت يوماً ملء السمع والبصر.
صحيح أن هناك مشكلات متراكمة صنعتها حكومات سابقة، وصحيح أن هناك إهمالاً وتجاهلاً لمشكلات صغيرة فى الماضى كان يمكن حلها بيسر وبتكلفة منخفضة، وصحيح أن هناك أوجه خلل عديدة فى منظومة العمالة فى شركات قطاع الأعمال العام، وهى بالطبع تحتاج لإدارات احترافية، وأنظمة عمل حديثة تكافئ المحسن، وتجازى المُسىء، لكن كل ذلك يعنى ألا نتخذ بجرة قلم قرار إنهاء تاريخ صرح صناعى عظيم وضخم وكانت له أوقات تألق وأيام نجاح.
إن هذا لا يُسمى إصلاحاً، ولو قال الوزير المسئول ما قال، وهذا لا يعنى توجهاً ليبرالياً، كما يتصور البعض، فالليبرالية لديها قيم وسياج اجتماعى يمد شبكات الحماية والدعم للشغّيلة، وتستثنى من فكرة ملكية الدولة للمشروعات بعض المشروعات الاستراتيجية أو ذات البعد التاريخى.
تألمت بشدة لما آل إليه حال الشركة القومية للأسمنت قبل عامين، وتألمت أكثر لما حدث فى الحديد والصلب، وأشعر بحسرات وحسرات لمشاهد النهاية للصروح الصناعية العظيمة. فالصناعة فى تصورى استثمار الأقوياء، ومفرخة فرص العمل، وأساس تقدم وتطور الأمم.
أن تنتج، فأنت تبهج، وأن تزرع فأنت تبدع، وأن تبنى فأنت تجنى الخير. هكذا تعلمنا، وفوق كل ذى علمٍ عليم.
فالله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض