رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

 

 

قال لى الشاب بلهجة مستنكرة تشوبها السخرية وهو يدب بقدميه على الأرض صحة وعافية– أدامها الله عليه– مش لما نلاقى إحنا الأول حقوقنا ونلاقى شغل نبقى ندافع عن حقوق المعاقين ونطلب لهم شغل...! بصراحة لم أدعه يكمل، وقلت له باختصار، احمد الله إنك تسير على قدميك وتتحرك وتنطق وترى، وتتمكن بنفسك من البحث عن عمل، والتعبير عن احتياجاتك، وقضاء أمورك، وتخيل لو شاء لك القدر أن تتزوج وترزق بطفل أو طفلة من ذوى الاحتياجات، وقدراتك المالية صعبة لتراعى هذا الطفل وتؤهله ليعتمد على نفسه ويواجه الحياة... هل سيكون هذا كلامك وشعورك.. بهت الشاب وتمتم بالاعتذار...

لماذا لا نشعر حقًا بما ابتلى به الله الآخرين غيرنا من عباده، لماذا يركز كل منا فى مشكلته ولا يحمد الله حتى على ما بيده من نعم، وقليلون جدًا مما أنعم الله عليهم بمال وثراء يمدون يد العون لهؤلاء ذوى الاحتياجات الخاصة بشكل فعال وعملى، نركز ساسة وإعلام على حقوق الأصحاء، من رعاية صحية، عمل، خدمات اجتماعية، وعرضًا نتذكر حقوق ذوى الإعاقات أو الاحتياجات الخاصة وقد لا نحفل بهم إلا فى ذكرى اليوم العالمى لهم 3 ديسمبر وهو اليوم الذى خصصته الأمم المتحدة عام 1992 لدعم ذوى الاحتياجات الخاصة، أو فى مناسبات عالمية تخصهم من ألعاب رياضية عالمية وغيرها، لكن هل نحن كمجتمع مصرى متكامل بكل أجهزته ومؤسساته تكاتفنا للتعامل مع هذا الملف الحافل بالمآسى وصرخات الاحتياج والألم الصامت، خاصة فى أوساط البسطاء والفقراء فى القرى والنجوع والحوارى وبقايا العشوائيات، أم أننا نركز الأضواء على الموهوبين من تلك الفئة، الذين حباهم الله فولدوا فى أسر ميسورة الحال، كفلت لهم الرعاية والتأهيل والتوجيه النفسى والجسدى، للإبداع والاندماج فى المجتمع.

هل قات أجهزة الدولة مؤسساتها المعنية فى كل الوزارات بوضع فئات ذوى الاحتياجات الخاصة فى حسبانهم، فأعدوا لهم التسهيلات فى وسائل المواصلات والمؤسسات التعليمية والمرافق الخدمية والطرقات والمستشفيات والوظائف، للأسف ينظر كثيرون منا إلى ذوى الاحتياجات خاصة أبناء الأسر الفقيرة على أنهم متسولون، يحتاجون إلى لقمة عيش أو قليل من المال ليأكلوا، دون أن نفكر أن نعلمهم الصيد بدلًا أن نمنحهم مجرد «سمكة» كلما تيسر لنا.

فى الحرب العالمية الثانية، فى الوقت الذى انتهجت فيه النازية الهتلرية منهج قتل المعاقين لتنقية العرق الألمانى وفقًا لمفهوم هتلر، لجأت الكثير من الدول الأوروبية إلى استثمار قدرات ذوى الاحتياجات بتشغيلهم فى المصانع، فى وقت عز فيه تواجد الرجال الأصحاء للعمل لتواجدهم فى جبهات الحرب، وللحق أبلى هؤلاء بلاء حسنًا فى سرعة التدرب ومهارات العمل، وتشغيل المصانع لإنتاج حتى ما احتاجته ليس الشعوب الأوروبية فقط، بل الجنود فى الحرب، وهو جانب تاريخى لا يتنبه له كثيرون، حتى أن الأسقف الألمانى كليمنس جالين من مدينة موينستر أدان المنهج النازى فى موعظة عامة فى 3 أغسطس عام 1941، وساندته شخصيات عامة أخرى ورجال دين، وطالبوا باستثمار قدرات المعاقين، كما تفعل دول أخرى وليس التخلص منهم.

والآن ألمانيا تنافس كل دول العالم فى رعاية ذوى الاحتياجات على كافة المستويات، وتقدم لهم كسائر دول العالم المتقدم كل التسهيلات الحكومية الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، التى تساعد على دمج أصحاب الإعاقات فى تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كجزء من المجتمع لا يجب أبدًا تجاهلهم أو عزلهم عنه، إذ ترى وسائر الدول المتقدمة أن عزل هؤلاء فى مؤسسات تُعنى باحتياجاتهم الأساسية فقط، إنما يصنفهم كأنهم خارج المجتمع، غير متساوين فى الحقوق مع الباقى، لا يحق لهم ما يحق لغيرهم من الناس فى حياة كريمة واندماج فى سائر مناحى الحياة، بل تعتبر ألمانيا الآن بلدًا رائدًا فى مجال ابتكار تقنيات حديثة تساعد المعاقين على التغلب على كثير من المشكلات التى تعترضهم.

إن نهج مجتمعنا المصرى منهج «يا حرام» المتسم بالشفقة لا المسئولية تجاه تلك الفئة المهمة من مجتمعا، التى تزيد على 2.6 مليون شخص من ذوى الإعاقات الكبيرة بجانب ملايين مما يعانون الإعاقات الأخرى الطفيفة فى النظر أو السمع أو الكلام، يعد منهجًا قاصرًا ومعاقًا... وللحديث بقية...

[email protected]