رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

توقفت عن الكلام، تجمدت يدى على قطعة الحديد الباردة التى تكبر صوتى ليسمعه كل من بالقاعة، هممت أن أنهض إليها، لكن أصواتًا عديدة طلبت أن أبقى على المنصة المضاءة، وبادر أصحاب الأصوات مهرولين لمساعدة السيدة العجوز وهى تحتضن ابنتها وتكاد ترفعها من الأرض لتتحرك بها زحفًا وليس خطوا إلى أقرب مقعد، انسالت منى كلمات الترحيب بالأم وابنتها، والأم تعتذر بكلمات بسيطة عفوية عن تأخرها فى المجيء، وأنها كانت تتمنى حضور الندوة من بدايتها لتستفيد بها فى التعامل مع ابنتها الوحيدة ذات الإعاقة والمصابة بمتلازمة «داون»، فى الواقع كانت الندوة التى دعيت للتحدث بها بمركز طلعت حرب الثقافى بالسيدة نفيسة تدور حول تعامل الأم مع سن المراهقة وكيفية حمايتهم من الإدمان، وقالت السيدة العجوز البسيطة إن ابنتها أيضا مراهقة، حقا لا تخشى عليها من الإدمان، ولكن ترغب فى التعرف على كيفية التعامل معها فى هذا السن وهى من ذوى الاحتياجات.

شعرت بالخجل من ألا ألبى مطلب السيدة وعرجت بحديثى إلى كيفية تعامل الأم مع الابن أو الابنة من ذوى الاحتياجات فى سن المراهقة بعيدًا عن قصة الإدمان هذه، كنت أتأمل وجه الفتاة التى نضج جسدها كثيرًا وصارت ممتلئة بفعل صعوبة خروجها من المنزل، كان وجهها رغم تطابق تفاصيل المتلازمة عليه من وجه مسطح وعريض، رقبة قصيرة، عيون ضيقة وفم صغير ولسان شبه متدلٍ، لكنها سبحان الله كان رائعة الجمال، الفتاة تبتسم كلما تحدثت وتشير إلىّ وكأنها تفهم، وعندما بدأ جزء الأسئلة بالندوة، صدمنى سؤال أم الفتاة قالت: إزاى أتعامل مع الجيران وهم بينادونى يا أم العبيطة، ولو نزلت ببنتى مرة فى الشارع ينادونها يا «هبلة» وما إن نطقت الأم بكلمة «عبيطة» وهبلة «حتى انفجرت البنت وتدعى «سمر» فى البكاء، وانشغلت والحضور بتهدئتها والأم توضح: أصلها بقت بتفهم يعنى إيه عبيطة وهبلة وتتأثر وتبكى لما بتسمعهم... «سبحان الله».

الأم أرملة وما تعانيه مع ابنتها الوحيدة بمفردها جعلها عجوزًا وهى لم تتجاوز الستين من عمرها، تحكى أن أهم شىء فى حياتها هو محاولاتها أن تحمل ابنتها المراهقة 17 والتى «صارت ضخمة» وبعقل طفل أخضر، لتخرج بها إلى الشارع، لتشم الهواء مرة كل شهر، واليوم طلبت منها أن تخرج، فكانت الأم تحملها وتنزل بها درجات السلم سلمة.. سلمة لتلتقط أنفاسها حتى هبطت الطوابق الثلاثة، وقد تقطع نفسها، ليس حولها من يساعدها، وإن وجدت للأسف يقولون لها كلاما تفهمه البنت فتبكى حين ينادونها بأم العبيطة «أو ينادون البنت «يا هبلة»، ولأن الأم البسيطة تتواصل مع المركز الثقافى الذى يقدم دعما ثقافيا ومعنويا فى جانب منه لذوى الاحتياجات، قررت حضور الندوة، كانت ترغب فى التعرف على طريقة جيدة تتعامل بها مع ابنتها فى سن المراهقة حتى تجعلها سعيدة لا تبكى.

بكيت وأغلب الحضور لبكاء سمر.. وكل ما بداخلى يصرخ، فالتركع هنا عروش العالم وتنحنى التيجان، ولتنطفىء أضواء المؤتمرات الممولة بالملايين، ولتسود الياقات البيضاء على رقاب لابسيها أمام معاناة تلك الأم وابنتها وغيرها الآلاف فى الأحياء البسيطة ممن رزقوا بأطفال من ذوى الاحتياجات، فهذه أم لا تملك إلا الفتات لها ولابنتها، ولا تملك أى وسيلة حتى لتحمل ابنتها «كرسى متحرك»، الأم تتعامل معها بفطرتها، وقدر استطاعتها تسعى هنا أو هناك لتحصل على معلومة او مساعدة تواجه بها جبل الابتلاء بحياتها.

ذوو الحالات الخاصة من أبناء الفقراء والمعدمين ملف مفعم بالألم والشوك، عندما تبتلى أسرة ثرية أو حتى متوسطة بطفل من هذا النوع، يبذلون المال والجهد قد استطاعتهم لتعليمه وتأهيله وتحسين حالته ليعتمد على نفسه، أما فى الأسر الفقيرة فهؤلاء الأطفال يتحولون إلى كم مهمل، يطلق عليهم البعض كلمة «بركة» أو «فاسوخة حظ»، ويتعامل المجتمع البسيط معهم وكأنهم مخلوقات غريبة غير آدمية.. وللحديث المؤلم بقية.

[email protected]