استكمالا لمقالنا السابق حول وصول الفاطميين إلى مصر، يقول المؤرخ الكبير د. أيمن فؤاد سيد، إن الفاطميين حكموا مصر لأكثر من 200 عام (969-1171 م)، نجحوا- بشكل رائع– فى تأسيس نظام سياسى وإدارى جديد فى مصر، ولكنهم فشلوا فى النهاية فى تحقيق حلمهم فى حكم العالم الإسلامى لأن التحديات الأيديولوجية التى أصروا عليها عزلتهم عن الإجماع الإسلامى الأكبر. وفى أواسط القرن الحادى عشر، وفى عهد المستنصر بالله (1036-1094 م)، تراجع دور الأئمة ووقعت السلطة الحقيقية فى أيدى وزراء الانتداب الذين ضموا السلطة التنفيذية، القضاء وأجهزة الدعاية للحكومة بالإضافة إلى قيادة الجيش. واستخدم المستنصر بالله الجنرال الأرمنى بدر الجمالى لقمع القوات المتمردة وبالتالى أطال من عمر الدولة الفاطمية المصرية مائة عام أخرى.
وفى عام 1171 م، أرسل نور الدين محمود وعمه أسعد الدين شركوه، الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، آخر وزراء الدولة الفاطمية، لمواجهة جيوش مملكة القدس الصليبية، التى وصلت إلى أطراف القاهرة عام 1171 م. حيث قاد صلاح الدين انقلابًا سلميًا عام 1171 م، واستولى على السلطة من الخليفة الفاطمى، وأسس أسرة حاكمة جديدة فى مصر، هى الأسرة الأيوبية (1171-1250 م)، وكان نظام الحكم نظامًا فيدراليًا، وحكمت مصر وبلاد الشام واليمن وديار بكر من مقرها فى قلعة الجبل التى أسسها صلاح الدين وأصبحت مقر الحكم المصرى. قاد الأيوبيون العالم الإسلامى فى صد الصليبيين الذين هددوا العالم الإسلامى منذ سقوط بيت المقدس عام 1099 م، واستعادها صلاح الدين بعد معركة حطين عام 1187 م.
فى وقت لاحق، بدأ السلطان الصالح نجم الدين أيوب فى زيادة عدد المماليك الأتراك فى جيشه، واستقر عدد كبير منهم فى جزيرة النيل فى الروضة غربى القاهرة. وكان أن لعب المماليك دورًا هامًا فى القضاء على الحملة الصليبية السابعة (1249–1254 م) بقيادة لويس التاسع فى معركة المنصورة عام 1250 م. بعد انتصارهم الكاسح على جيوش المغول فى عين جالوت عام 1260 م، وهنا أصبح المماليك أقوى قوة فى العالم الإسلامى. خاصة بعد الإطاحة بخلافة العباسيين فى بغداد على يد المغول عام 1258 م. ومن ثم أعادت الخلافة تأسيس نفسها فى القاهرة عام 1262 م. وفى عام 1293 م نجح السلطان المملوكى منصور قلاوون وابنه خليل فى القضاء على بقايا الوجود الصليبى على سواحل الشام عام 1293 م. كان نظام دولة المماليك نظاما فريدا فى تاريخ الدول الإسلامية الحاكمة، حيث نشأوا بين مجموعات تركية مختلفة، ولا سيما من القوقاز، وانضم إليهم فيما بعد الشركس والمغول والروم والجورجيون. وتم إحضار أولاد المماليك إلى قلعة الجبل، مقر الحكم الجديد، حيث نشأوا وتدربوا على فنون الدفاع عن النفس، وتعلموا اللغة العربية التقليدية. ويمكن القول إن دولة المماليك مرت فى عهدها الأول بخمس مراحل: الاولى: صعود البحرية إلى السلطة (1250-1260 م، والثانية: مرحلة التوحيد (1260-1290 م، والثالثة: مرحلة الصراع بين الجماعات الملكية وعدم الاستقرار السياسى (1260-1290 م، والرابعة: السلطنة الثالثة للنصر محمد بن قلاوون (1310-1341 م، والخامسة: مرحلة أحفاد المنصور قلاوون (1341–1382 م).
لقد مهدت التغيرات المهمة التى شهدها حوض البحر الأبيض المتوسط وآسيا ومصر والشرق الأوسط فى القرن الخامس عشر الطريق لنهاية سلطنة المماليك من خلال تغيير الوضع السياسى العام فى المنطقة. وخلال عصر النهضة، بدأت الإمارة العثمانية فى آسيا الصغرى بتهديد السلطنة المملوكية. علاوة على ذلك، عاد المغول إلى بلاد الشام فى عهد مؤيد الشيخ فى أواخر عام 1410. وهنا شهدت فترة السلطان المملوكى أشرف برسباى (1422-1430 م) سلسلة من التحولات الاقتصادية التى تضمنت احتكار التجارة فى الشرق. كان لهذه السياسات الاحتكارية عواقب وخيمة على مصر، مما دفع التجار الأوروبيين إلى البحث عن طريقة للوصول إلى الهند دون المرور عبر البحر الأحمر.
أستاذ بعلوم القاهرة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض