رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

كانت قد سبقته فى الاستيقاظ، جهزت له « الفطور » ودلفت إلى الغرفة لإيقاظه كعادتها عندما يكون لديه موعد قضية بالمحكمة، وجدته فى وضع الاستلقاء، وعيناه شاخصتان إلى سقف الغرفة، وعلى وجهه ابتسامة هادئة، وإصبع السبابة اليمنى متجه للأعلى كأنه « يتشهد » كما فى الصلاة، عندما لم يرد عليها النداء، اعتقدت أنه يمازحها ويتصنع النوم، هزته، كان لا يزال جسده دافئا، لكن بلا روح، مات الأستاذ عبدالعزيز المحامى فى شقته المتواضعة فى «شبرا» ميتة كريمة هادئة مطمئنة كحسن ختام، هذا إكمال ما بدأته معكم فى مقال الأسبوع الماضى.

رحل الأستاذ المخضرم، وترك الولد والبنت مع أمهما بمدخرات لا تذكر، ومعاش بسيط، ودعاء كثير من الناس البسيطة ممن وقف بجانبهم فى قضاياهم، لرد الظلم عنهم أو لإعادة حقوقهم، وكما قلت، كان ضميره اليقظ هو ما يحركه فى قبول القضايا أو رفضها وليس المال، وكانت كل كلمة فى مذكرات دفاعاته القانونية عليها رقيب وحسيب، كلمات يكتبها ضمير حى يخاف الله، لأنه كان يعلم مدى الجرم الذى يرتكبه رجل القانون إذا ما تلاعب بالقانون، اذا ما استغل الثغرات لتبرئة مجرم، أو الزج ببرىء فى غياهب السجون، أو حتى الانتقاص من حق إنسان بأى صورة من الصور لصالح آخر.

الغريب أنه أوصى بألا يلتحق الولد أو البنت بكلية الحقوق، وكان يؤكد «أخاف يقعوا تحت إغراء الفلوس ويبيعوا ضميرهم للمجرمين، أنا مش هعيش لهم للأبد عشان أوجه وانصح بلاها محاماة يطلعوا أى حاجة تانية» وبالفعل تخرج الولد والبنت من كليات أخرى، وشقا طريقهما بأسلوب محترم، وأرسل الله لهما من يقف بجانبهما، فعملا فى أماكن جيدة، وكانت أعمال والدهما الطيبة وسيرته المحترمة التى فتحت لهما أبواب العمل والرزق، وهذا هو الميراث الطيب الذى تركه لهم.. قليل من المال ولكن حلال.. الأخلاق.. السيرة الطيبة.

ترى هل كل القائمين على العدالة والقانون.. هم من نوعية الأستاذ عبد العزيز، يراقبون الله فى أقوالهم وأحكامهم، كل كلماتهم لها ضمير،  ألا نسمع عن «الأستاذ فلان الشاطر» على غرار «حسن سبانخ» فى فيلم عادل امام وهى المرادف للتلاعب..اللعب بالبيضة والحجر..قلب الحقائق.. النفاذ من الثغرات..تبرئة المجرمين.. وإتاحة الفرصة أمامهم للإفلات من العقاب، حقا كل مهنة فى الحياة بها الطيب والرديء، ولكن غياب الضمير لدى أى رجل له صلة بالعدالة والحقوق هو من أخطر ما يمكن، لأنه هنا لا يقتل شخصا كطبيب بلا ضمير مثلا، ولكنه يقتل أمن وأمان مجتمع بأكمله، فهناك ما يعرف بـ « أمن الحقوق »، وإذا ضاع أمن الحقوق.. ضاع المجتمع وتحول إلى فوضى وغابة من الفساد.

نعم قد يكون القانون صامتًا أو غامضًا أحيانا أمام ظروف قضية ما، وفيها يلجأ رجال القانون والعدالة إلى إحساسهم وضمائرهم لتحقيق العدالة والإنصاف بأمانة وحكمة، ولكن ماذا لو لم يتم الاحتكام إلى الضمير الحى، ماذا لو استسلم أحدهم للضعف والإغراء، فاستغل الثغرات وباع ضميره بالمال، أو تحت ضغط خوف وتهديد، وما هو موقف القاضى الذى يكون على ثقة من تلاعب المحامى والمطالب بأن يحكم وفقا للأوراق المطروحة أمامه، أليست هذه إشكالية ومسئولية خطيرة تقع على عاتق رجال القضاء للوقوف بوجه الظالم، وتحقيق القصاص الرادع من المجرمين وإعادة الحقوق المسلوبة إلى أصحابها، وإنصاف الضحايا.

إذا كانت الخصومة من لوازم البشرية، والتصارع والتنازع على البقاء سنة الكون، والرغبة فى القوة والانتصار على الآخر صفة بشرية، فضرورى أن يكون أمام هذا رجال عدالة وقانون يحكمهم جميعا الضمير الحى بلا استثناء، وإلا اختل النظام وعمت الفوضى والحقد بين الناس، وسادت رغبات الانتقام، وانتشرت الجريمة، وأصبح الفساد عنوان كل شىء..وللحديث بقية.

[email protected]