رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

 

لا أحب التصفيق لأحد. لا أقبل الانحناء لبشر، ولا أفضل كتابة عبارات المديح، وصياغة مقالات الرضا، لكن هناك بعض النماذج الاستثنائية التى تستحق منى ومن الناس الشكر، والتحية، والتقدير، كل التقدير.

ماركو زكى، اسم قد لا تعرفونه، ولا أنا. شاب جميل فى جنوب مصر، مُنغمس فى البحث العلمى، يعيش لهدف هو إسعاد البشر، يقضى عمره فى نفع الناس نفعًا مبينًا. وقبل أيام، أعلنت إدارة جائزة «نيوتن» الدولية فوز الشاب المصرى المُدرس بجامعة المنيا، بجائزتها لهذا العام عن بحوثه المتطورة فى مجال علاج سرطان الكبد. بدا اسم الجائزة غريبا علينا لأننا منذ ردح من الزمن ونحن خارج نطاق البحث العلمى العالمى، وهذه الجائزة تُطلقها سنويا منظمة اليونيسكو، بالتعاون مع دولة بريطانيا.

وطبقا للخبر الذى طيرته وكالات الأنباء ولم تحتفِ به وسائل الإعلام المصرية المنشغلة بانتخابات الرئاسة الأمريكية، فإن بحوث ماركو زكى العلمية لا تتعلق بمنع حدوث سرطان الكبد فقط، وإنما تمتد لطرح تصور حول إمكانية التغلب على المرض تماما، وهو ما يضيف لإنجازات مصرية تدعو للفخر فى مكافحة أمراض الكبد عموما.

يعمل ماركو مدرسا للكيمياء الحيوية بكلية الصيدلة، جامعة المنيا،هناك حيث لا يعرفه أحد فى هدوء وصبر وإيمان بقدرة الإنسان على كسر حواجز البيروقراطية، والإحباط، والشعور بالدونية.

يؤكد العالم المصرى أن خدمة الوطن ليست أغنية تُردد، أو بيانًا سياسيًا يوزع على الصحف، ليست هتافا فى مظاهرة، ولا ختمًا لكلمتى «تحيا مصر» فوق جدران المبانى، وإنما اجتهاد وعمل وتفانٍ.

يفتح الجميل قلبه للعالم برحابة، ويُعيد ألق الإنسان المصرى بنبوغه وعبقريته، مستعيدا صلابته وعزيمته فى وصل الليل بالنهار من أجل العلم.

تبلغ قيمة الجائزة مائتى ألف جنيه استرلينى، ما يقارب أربعة ملايين جنيه، تُثير إغراء أى إنسان للاحتفاظ بها، لكن ماركو زكى الجميل، يتوجع حُزنا من عدم وجود معمل بيولوجى بالمقاييس والمواصفات الدولية فى جامعته، فيقرر التبرع بالجائزة لإنشاء هذا المعمل.

وحسبى أن هذا المُدرس الشاب الجميل بمبادئه وقيمه وأخلاقه، قبل تفوقه العلمى لو كان فى دولة أوروبية لصار نجما بازغا، تلاحقه وسائل الإعلام، وتستحضره المنتديات والمؤتمرات الكبرى، ولكرمته الدولة مرارا ومرارا.

إن ماركو زكى دليل دامغ على أن جينات الإرادة المصرية لم تنقرض، وأن خلايا العزيمة لم تفنَ. مازال هذا الشعب الكريم رغم كل ما واجهه وقاساه قادرا على مقاومة القبح، وصناعة الحضارة.

إن مصر ليست رجال اللاشيء التابعين، والساكنين كأصنام، والسائرين فى القطيع بلا لحظة تفكر. ليست أبا اسحاق الحوينى، أو ياسر برهامى، ليست محمد رمضان، والسبكى، وإعلامى الردح والمدح، ليست جموع المتحرشين، وأعداء الإبداع ومُنكرى الجمال، ليست ابن المستشار الذى يرى نفسه أعلى من البشر والقانون، ليست كتائب الظلام المتسترة بالدين، ولا الشباب المهووس بالغرائب والمنكر لوجود الله.

مصر هى قلة حنان أم رؤوم تضُم أبناءها فى رضا وصبر، عرق فلاح يرفع فأسا بجلد ليهوى به مُقلبًا أرضه، سماحة قلب احتضن مُخطئا ليقوده نحو بر الصواب، ضمة أمل فى أجيال جديدة لم تصطلِ بنار الاستقطاب أو تندهس تحت عجلات التطور التكنولوجى.

مصر هى أحمد زويل، نجيب محفوظ، أم كلثوم، مصطفى مشرفة، مجدى يعقوب، وماركو زكى أيضا.

والله أعلم.

 

mailto:[email protected]