أوراق مسافرة
أتأمل ملامحى بعمق فى مرآتى.. عسى أستطلع منها نقاط الغباء.. أستعرض شريط حياتى الملىء بالمتاعب والظلم.. الظلم الكثير الذى عانيت منه هنا، عسى أن أصل إلى بؤرة الغباء التى يوصمنى بها كثيرون حولى، لأنى أرفض باب أوروبا المفتوح على مصراعيه أمامى للعيش بها، وتتشبث أقدامى بأرض الوطن، لأنى أرفض هذا الجمال والرقى والتحضر وسهولة الحياة والخدمات والعيش الرغد، وأفضل البقاء والموت هنا مع كل النقيض تقريبا، يقولون انى غبية.. عاشقة للوهم.. متمسكة بتلابيب شعارات لا تسمن ولا تغنى من وجهة نظرهم، لكن الأمر مختلف تماما لدى، وليس له أى صلة بكل هذا ولا بادعاءات وطنية وشعارات انتماء.
الأمر ببساطة انى عاشقة لهذا الوطن بمره وحلوه، وهل يعرف العاشق أسباب عشقه.. روحى معلقة به، حين أبتعد عنه حينا أشعر باليتم الحقيقى، وكأنى فرع فى الهواء لا يستند إلى جذوره، اشعر بالخوف من كل شيء، وكأن مجهولا أو أشباحًا تطاردنى، لا أنام بعمق، ولا اشعر بأمان، وحين أمرض..أكره الذهاب لطبيب هناك لأترجم له ألمى، رغم فارق السماء والأرض بين مستشفياتهم ومستشفياتنا، ورعايتهم الطبية وما نواجهه هنا، فى عشقى لوطنى سر قد لا اجد له أبدا إجابة مادية ترضى المتحذلقين ومن يصفوننى بالغباء، ومع هذا..أحلم كثيرا أن أرى وطنى أروع واجمل من كل بلاد العالم، وأشعر بالغيرة والحسرة لأجله، لأننا لا نقل أبدا عنهم فى ثروات طبيعية، ولا فى ذكاء أو طاقة عمل..فقط ينقصنا الضمير، ومراعاة الله والوطن فى أعمالنا وفرض رقابة وسياسة ثواب وعقاب، وتطبيق العدالة والمساواة، وتقدير الكفاءات، وبتر الاستثناءات، ولن افقد الأمل والحلم أبدا بأن نصبح مثلهم أو افضل منهم حتى أوسد ثرى بلدى، فدعوتى لله دوما أن أدفن به.
لست ألوم أبناء بلدى المهاجرين.. المغتربين بالخارج بحثا عن رزق أوفر، أو علوم أرفع، أو مستقبل أروع، فقد كنت يوما بينهم..وآثرت الرجوع لوطنى، ولست ألوم من «يكور» كل أحلامه فى تأشيرة سفر وتذكرة طيران للخارج، وقد أعيته هنا ظروف الحياة وطحنته، وما عاد قادرا على أن يقتات الصبر وأغانى الحماسة والانتماء، وهو يرى أن الموازين لا تزال مقلوبة، وان الفقير يدفع وحده غالبا الفاتورة، فيما الأثرياء يزدادون ثراء وتوحشا وتمددا، حقا أمام غلاوة قدر الأوطان، لا ضير من بعض الاحتياج والفقر، فى مقابل إعادة بناء وطن كان مهدما..متآكل الأركان..مكتظًا بالعشوائيات، مخرب الطرق، منقطع الكهرباء، متراكم الديون، مفرغًا من المؤسسات، لا ضير فى بعض الفقر، بشرط أن يرافق هذا قوة لتحقيق العدالة ومنح الأمل.. أمل واضح أن هذا مرهون بمرحلة وسينتهى، وأن الفقر لن يعاشر فئات بعينها إلى أن يذهب معهم لقبورهم، وان الظلم لن يلازم فئات بعينها حتى لحودهم...
لا يجب أن يستمر الرهان على وعى فقراء جاهلين، آخر حدودهم ترعة قرية ملوثة بحيوانات نافقة، أو باب حارة غرقت فى المجارى وسقطت من كل خارطة تطوير، لا يجب ان يستمر الرهان على رجال يضربون أطفالهم حتى يناموا من البكاء فلا تصرخ بطونهم جوعا، ولا على نساء لا يعرفن من الحياة إلا ضوء قمر متسللًا من سطح عشة لا تسترها من برد أو مطر أو من عيون الدخلاء...الفقر يا ساده ليس هو ما يخيفنى على وطنى، ما يخيفنى حقا هو الضباب حين ينطلق من قلب اليأس ليغيب الوعى ويطمس حقائق الإنجازات، ما يخيفنى اعتقاد بعض السادة أن كل ما يفعلونه هو الصواب، وان الحياة باتت فقط «لحضرة الجناب» ما يخيفنى وجود دببة قد تقتل أصحابها عمدا أو جهلا، كما فعل الدب حين قتل صاحبه بحجر معتقدا انه يحميه وهو يهش عن وجهه الذباب، ما يخيفنى تجارة المتاجرين بمشاكلنا، مزايدة المزايدين بأزماتنا، استقطاب أصحاب الأجندات لفقرائنا، الفقراء البسطاء لا يعرفون يا سادة من خطط السياسة والاقتصاد إلا سد الحاجة وتلبية نداء البطون، ولن يقرأوا التاريخ، ولن يدركوا خطورة المؤامرات التى تحيط بالوطن، وهذا ما يخيفينى ويجب أن تخشوه.. وتراعوه.. وتتداركوه.
.. وللحديث بقية