على فكرة
ردة الفعل الغاضبة من المؤسسات الدينية فى العالم العربى، على تصريحات الرئيس الفرنسى «ماكرون «الصادمة، التى قال فيها فى خطابه إلى الأمة الفرنسية إن «الإسلام دين يعيش فى أزمة فى جميع أنحاء العالم « كانت متوقعة. مجمع البحوث الإسلامية فى الأزهر وصف تلك التصريحات بالعنصرية والبغيضة ،كما وصفتها أحزاب دينية فى بعض دول المغرب العربى بأنها تنم عن نهج ديكتاتورى وجهل مطلق. واتهم دعاة داخل فرنسا ماكرون، بأن تصريحاته تستخدم كورقة لحصد أصوات اليمين المتطرف المعادى للمهاجرين ، قبل 18 شهرا من استحقاق الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022. ولم يتورع الرئيس التركى أردوغان وهو يرتدى ثوب الخليفة المنتظر ، ويتكلم كفتوة المنطقة، عن وصف التصريحات بأنها قلة أدب َ!
يعيش فى فرنسا نحو 6 ملايين مسلم من دول عربية وإفريقية. هاجروا إليها وتعلموا وعملوا بها واكتسبوا جنسيتها ، واستثمروا فيها ، لكنهم حملوا إليها مشاكل وأمراضا ثقافية واجتماعية من بلادهم الأصلية ، حين تمرودا على قوانين وتقاليد المجتمعات التى هاجروا إليها، ولم يسعوا للموازنة بين مقتضيات حياتهم الجديدة وتلك القوانين .وحتى المؤسسات الدينية الرسمية فى العالم الإسلامى ، لم تبذل جهودا ملحوظة لحث الجاليات المسلمة فى الدول الغربية على التعايش مع تلك المجتمعات، بتقديم خطاب دينى مستنير يخاطب روح العصر، وينبذ منظمات الإرهاب الجهادى التى اتخذت من الغرب وقيمه والمرأة أعداء لها، ويعلى من قيم الدين الإسلامى فى التسامح وقبول الآخر المختلف، تيسيرًا عليهم فى حيواتهم الجديدة.
أخطأ ماكرون فى التعميم، وربما خانه التعبير، لأن مجمل خطابه كان موجهًا للداخل الفرنسى ، وينطوى على فكرة متكاملة ضد التطرف الدينى والنزعات المتشددة للأصوليين الإسلاميين، التى تعمل على عزل المسلمين الفرنسيين عن مبادئ الجمهورية الفرنسية، وقوانينها العلمانية، وهو ما أدى إلى وجود نحو 50ألف تلميذ خارج المنظومة التعليمية للدولة الفرنسية . الحديث إذن عن الاندماج الاجتماعى الذى يعد سمة من سمات المجتمعات الحديثة، وعن مشروع القانون الذى سيناقشه البرلمان الفرنسى بداية العام المقبل، لدعم العالمانية وأسس الجمهورية . . والاعتراف بخطأ التعميم، لا ينفى أن هناك أزمة فى المجتمعات الإسلامية ، التى من رحمها خرجت تيارات الإسلام السياسى بقيادة جماعة الإخوان، التى تشيع الهوس الدينى، وتدير حروبًا مذهبية وطائفية ، وتسفك أنهارًا من الدماء لتدمير الدولة الوطنية ، وهى تتحدث باسم الله، وتنقل معاركها إلى المهاجرين فى الدول الغربية، ليصبح الإسلام فى تلك الدول قرين بن لادن والظواهرى وعمر عبد الرحمن والزرقاوى والقرضاوى، وغيرهم من منظرى القتل والذبح والخراب وسبى النساء وهدم الآثار، وإحباط كل محاولة تسعى لتجديد الخطاب الدينى، لتقديم قيم الإسلام الحقة المتمثلة فى العدل والرحمة والمساواة وحرية الاعتقاد واحترام حقوق المرأة. وأى إنكار لمسئولية الدول العربية عن الفشل فى تقديم فهم عصرى لديننا، ودعم ظواهر الدعاة الجدد و تشجيع ظاهرة المتجارة بالدين، لا يفضى إلى حل تلك المشكلة. وقد يؤدى صدور قانون دعم مبادئ الجمهورية الفرنسية، إلى محاصرة ظواهر التطرف الدينى فى فرنسا ، لكن لن يقضى عليها .
لكن المؤكد أن دورا فرنسيا داخل دول الاتحاد الأوروبى وأمريكا وفى داخل فرنسا لوقف الدعم المالى واللوجيستى والدعائى والمخابراتى لقوى الإسلام السياسى وجماعة الإخوان، من شأنه أن يقود إلى انحسار ظاهرة التطرف الدينى.
فلازالت تلك المنظمات تعيش تحت مظلة أجهزة المخابرات الغربية الأوروبية والأمريكية، منذ تم اصطناعها وتمويليها واستخدامها فى الحرب ضد الاتحاد السوفيتى، وضد التيارات اليسارية والقومية فى المنطقة العربية. وما لم تتضافر الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب الجهادى المسلح بالخرافات والأكاذيب والجهل والدعم الغربى، وما لم تقدم المجتمعات الإسلامية اجتهادًا لرؤية حداثية صحيحة للإسلام، فستبقى ثقافة الإنكار هى السائدة، ليكسب المتطرفون ،وتخسر كل المجتمعات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض