تأملات
يستحق لفظ ومفهوم الهرولة فى ضوء ما ناله من تشويه ونقله من سياقه اللغوى الحقيقى إلى سياقات أخرى سياسية، ربما تبدو للبعض غير موفقة، الكثير من التأمل فى محاولة لتحرير المفهوم من أسر التوظيفات التى تستهدف تطويعه لأغراض معينة، خاصة أن اللفظ ليس فى النهاية سوى امتداد بشكل أو بآخر للفظ آخر أكثر بساطة قد يمر عليه الجميع وليس الكثير فقط مرور الكرام وهو لفظ «الجري».
ومن أسف فإن ذلك يعيدنا إلى حالة اللغة الأولى على غرار «حالة الفطرة الأولى» ما يعنى فى النهاية مناقشة أو استعراض بديهيات فى اللغة قد يبدو للبعض أنه لا طائل منها أو أنها ليست سوى نوع من الفذلكات التى لا تسمن ولا تغنى من جوع. بل قد يتطور الأمر بالقارئ بشكل خاص إلى تكوين تصور سلبى عن الكاتب الذى يخوض فى هذا الأمر والظن به ظن السوء، على نحو قد يرى معه أن صدور هذا التناول منه لا يعدو سوى أن يكون نوعا من «الهرتلة» وليس «الهرولة»! وهو أمر مهما بدا من سوئه إلا أنه أقل سوءا فى السمعة مما وصل إليه مفهوم الهرولة فى واقعنا السياسى الراهن! باعتبار أن الكاتب المهرتل يمكن أن يغفر له من قبل جمهوره على عكس السياسى المهرول الذى قد يرى جمهوره أنه ارتكب جرما يصعب تجاوزه قد يرتقى إلى فعل الخيانة.
والجرى لغة هو مد الخطى، هو الاندفاع فى السير أو الركض، وهو يكون للإنسان وقد يكون لغيره ومنه جريان الماء. وهو ليس فعلًا ماديًا فقط بمعنى أنه لا يقتصر على حال الإنسان، وإنما قد يمتد ليشمل معانى معنوية إيجابية كانت أم سلبية ومنها مثلا الجرى وراء أهداف سامية، أو خلف نزوات. وقد تحمل الكلمة معنى محايدًا ومن ذلك القول «جريا على عادته»! ففى هذه الحالة لا تحمل معنى ماديًا أو حتى معنويًا يتضمن أى قدر من الحكم القيمى.
أما لفظ الهرولة فرغم أنه امتداد للفظ الجرى، حيث إنه الجرى بصورة بطيئة وجهد بدنى أقل، إلا أنه يختلف فى كثير من النواحى عنه سواء على مستوى الدلالة أو مستوى التحميلات فى المضمون، حيث إن لفظ الهرولة أصبح محملا بكثير من المضامين خاصة السلبية رغم أنه فى أصله اللغوى ليس كذلك.
ففى قواميس اللغة يقال هرول الشخص أى أسرع فى مشيه وعلى المنوال ذاته يقال هرولت الدولة أى أسرعت فى سياساتها. وفى تراثنا اللغوى فإن الهرولة تأتى فى سياقات بالغة الإيجابية ومن ذلك الهرولة فى السعى بين الصفا والمروة. بل ترد الإشارة إليها فى حديث قدسى على نحو يثير فى النفس حالة من الراحة وهو ذلك الحديث الذى يرد فيه على لسانه عز وجل: «أنا عند حسن ظن عبدى بى.. إن أتانى يمشى أتيته هرولة.. إلخ».
ورغم أن هذا السياق يشير إلى أن الهرولة تكون إلى الحبيب.. «ففروا إلى الله».. حيث الفرار هو الحالة المثالية للهرولة، كما فى الحالة النفسية التى يعيشها المسلم فى حالة «السعي» كطقس دينى، إلا أنها قد تكون كذلك إلى العدو وهذا السلوك أغلب ما يكون فى حالة الخوف. وفى كلا الحالين فإن الأمر ربما يتطلب تأمل البيئة النفسية للمهرول، ففيما الهرولة فى الحالة الأولى تعكس الطمأنينة والشعور بالراحة، فإنها فى الحالة الثانية تعكس الشعور بالشك وفقدان الثقة بالذات وبالمحيط الذى تعيشه، بل من المؤكد أنها تعكس ما يمكن اعتباره فقدان البوصلة للشخص المهرول. ولعله ليس من المبالغة القول بأنها قد تشير فى أكثر الرؤى دقة إلى حالة من التيه حيث إن الهرولة، بمعنى إسراع الخطى يجب أن تكون فى اتجاه بعيد عن العدو وليس إليه!
واذا استعنا بتراثنا الدينى الذى يعتبر جزءا أساسيا من ثقافتنا، فإننا نشير هنا إلى الحديث النبوى الذى يحثنا فيه النبى صلى الله عليه وسلم على الفرار من المجذوم فرارنا من الأسد. ووجه التشبيه هنا الخطر الذى يمثله من يحمل هذا المرض والذى يصل لحد تشبيه النبى له بالأسد الذى لابد ملتهم فريسته لحد القضاء عليها واندثارها، وهو نفس الوجه من الخطر الذى يمثله مفهوم العدو على نحو ما أشرنا فى مقالنا الاسبوع الماضى، فالعدو سواء كان شخصا أو دولة لابد أن من بين أهدافه التهام نظيره وابتلاعه والإجهاز عليه مهما بدت مواقفه معسولة وكلماته رنانة.
وإذا كان الجرى حالة طبيعية باعتبار أنه يمثل حال حدوثه سلوكا ربما يجب على المرء القيام به كالجرى فى مضمار سباق، أو الجرى كجزء من رياضة يومية، فإن الهرولة، بمفهومنا التأويلى لها قد تمثل حالة اضطرارية، تستهدف حفاظ المهرول على النفس والأهل والمال والولد يستوى فى ذلك أن تكون الهرولة لشخص عادى أم معنوى كهيئة أو منظمة أو دولة.
لعل ذلك لا يشفى غليل القارئ فى معرفة الفرق الحقيقى بين الجرى والهرولة، ولعله يشعره بالندم على الوقت الذى أضاعه فى قراءة ترهات ربما كان من الأفضل أن تبقى حبيسة صدر صاحبها.. ولكن الكاتب – أى كاتب – لا يشعر بالراحة إلا إذا شارك قارئه مكنون أفكاره سواء كانت جواهر أو ترهات!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض