رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

قلبى مع أهلنا فى السودان الحبيب، وشعبه يقاوم ببسالته المعهودة، قسوة الطبيعة، ويصد بفدائية مياه فيضان النهر الهائجة، التى اجتاحت مدنه وقراه، وشردت سكانها،  وقتلت مائة من بينهم وهددت  المبانى الحكومية، وقلاعها الأثرية بالغرق، واقتلعت بيوتهم وزرعهم  ومواشيهم،  وقبل ذلك وبعده، أطاحت  بشعورهم بالأمان والطمأنينة. 

ثورة الفيضان الهائج،   الذى بلغ منسوب مياه النهر فيها أكثر من 17 مترا، تذكر الشعب السودانى، بأن أكثر من ستة عقود قد مضت  منذ استقلال السودان عام  1956فشلت فيها النخب السياسية الحاكمة فى تقديم حلول جذرية لمشاكل بلدهم، وعجزت عن قيادة مشروع تنموى حداثى، يستخدم برشد مواردها الطبيعية،  وأرضها  الخصبة الممهدة للزراعة، التى كانت موعودة أن تصبح  سلة خبز أفريقيا والعالم،  وثرواتها المادية والبشرية المتنوعة،  لحل مشاكل التهميش  والفقر، وإثراء التنوع العرقى والدينى والثقافى والقومى، بدلا من تأجيجه، بما انتهى بفصل جنوب السودان، عن شماله،  ورفع أكثر من حركة  متمردة  سلاحها فى وجه الدولة فى دارفور وكردفان والنيل الأزرق، إبان ثلاثين عاما من حكم جماعة الإخوان المسلمين!  

لكن السودان يأبى ألا تكون كل الأخبار القادمة منه مؤلمة ومريرة. ويوم الاثنين الماضى  قدم الدلالة على أنه من قلب الكارثة، يستطيع كذلك  أن يجلب الفرح  والدهشة . وبعد أكثر من عام من مفاوضات عسيرة، برعاية من دولة الإمارات العربية وجمهورية جنوب السودان، وقعت  الحكومة الانتقالية السودانية،  وتسع من الحركات المسلحة، على «اتفاق جوبا للسلام»، الذى يمهد الطريق لوقف النزاعات المسلحة فى كل المناطق. التوقيع تم بالأحرف الأولى،  ومن المنتظر ان يجرى التوقيع النهائى عليه فى اكتوبر القادم،  ليبدأ الطرفان فى تنفيذ بنوده، التى تقضى  بتقاسم السلطة، وعودة النازحين واللاجئين، ودمج الحركات المسلحة فى الجيش السودانى، والنظر فى  التعويضات عن الممتلكات التى تم تدميرها  خلال الحرب الأهلية. 

الاتفاق فى حال تنفيذه، سيمنح الحكومة السوانية  برئاسة عبدالله حمدوك،  الفرصة لتنفيذ برنامجها الانتقالى بشكل أكثر هدوءا، كما سيوقف نزيف الدم الذى سال على مدار نحو 17عاما، لرفض الفرع السودانى لجماعة الإخوان  أثناء حكمه، الاعتراف بالهويات الدينية والعرقية والثقافية المتنوعة، بهدف فرض مشروعه الوهمى عن الدولة الإسلامية، الذى انتهى  بتقسيم السودان وبحروب أهلية فى عدد من أقاليمه، فضلا عن نهب ثرواته، وهجرة عشرات الآلاف من خبراته خارجه.   

الاتفاق يعد فرصة حقيقية لينهض السودان خطوات للأمام، ويعيد بناء نفسه على أسس عصرية وحداثية،  تحقق ماجاء فى  الوثيقة الدستورية المؤقتة، من أن السودان» جمهورية مستقلة ذات سيادة «وهو دولة» مدنية، ديمقراطية،  برلمانية تعددية، لا مركزية،  تقوم فيها الحقوق  والواجبات على أساس المواطنة، دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللون أو النوع أو الوضع الاجتماعى والاقتصادى أو الرأى السياسى «وهذا النص هو اعتراف صريح بفصل الدين عن الدولة وليس عن المجتمع، وهو يضمن علمانيتها ومدنيتها، لهذا لم يتردد رئيس الحكومة، فى سياق سعيه لجلب الحركات المسلحة التى رفضت الانضمام إلى مفاوضات جوبا، وهى حركة جيش تحرير السودان فصيل عبدالواحد نور، والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال  برئاسة عبد العزيز الحلو، إلى مائدة التفاوض،  أن يعقد مع الأخير  فى أديس أبابا، اتفاقا منفردا ينص فيه على مبدأ فصل الدين عن الدولة،  وفى حال غياب ذلك المبدأ، فعلى الدولة أن تحترم حق تقرير المصير. 

العثرات  التى يمكن أن تعترض اتفاقى جوبا وأديس أبابا ليست قليلة، بينها ارتباط عدد من الحركات المسلحة بمصالح دول أجنبية،  وتغلغل أنصار البشير وجماعته وحلفائه من تيار الإسلام السياسى فى مؤسسات الدولة والحكم، لكن توق الشعب  السودانى إلى  الاستقرار، من شأنه أن يحمى تلك الاتفاقات، ويذهب بها إلى حيث تحقق طموحاته فى الحرية والعدالة والمساواة والسلام.