رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

الوطنية ليست صكوكا تمنح، وإنما هى حالة نتاج مواقف تتراكم بعضها فوق بعض يتبلور معها الشعور بتلك الصفة لمن تنسب إليه، فلقب أم المصريين لم يكن صكا طبعته جهة ما ومنحته للسيدة صفية زغلول، وإنما هو صفة صاغتها مواقف تلك السيدة حتى أصبح لصيقا بها دون أن تدري. على هذا المنوال وغيره، يمكنك أن تلمح فى تطورات قضية سد النهضة التى بدأت تشغل أذهان قطاع كبير من المصريين بروز نماذج للشخصيات الوطنية التى يسعد قلبك بتصدرها المشهد والدفاع عن قضية خطيرة كتلك.

أشير فى هذه السطور فى حدود متابعتى لهذا الملف إلى أربعة منهم هم على التوالى الدكتور محمد نصر علام وزير الرى الأسبق، وهانى رسلان رئيس وحدة السودان بمركز الأهرام للدراسات، والدكتور حمدى عبدالرحمن حسن استاذ الدراسات الأفريقية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية والذى يعمل حاليا فى الإمارات، والدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة. ورغم ان شهادتى قد تكون مجروحة لعلاقة محدودة أو عميقة تربطنى بهؤلاء، فإن لسان حالهم ينطق بما أقول! منطقى فى تناول هذا الموضوع هو تلك المقولة الرائعة التى ربما لا تناسب الحديث تماما ولكنها تعبر عن جوهره وهى تلك التى تقول: بدلا من أن تلعن الظلام أضئ شمعة، فإذا كنا ليل نهار نقوم بعملية جلد للذات بدعوى أننا نعيش أسوأ لحظاتنا، على مستوى الأحداث وتوجهات الأشخاص، فإن التأمل فى المشهد من الزاوية التى نتناولها ربما يكون لنا بمثابة لمحة أمل، دون أن ننزه أى أحد عن أى شىء فنحن فى النهاية بشر ولسنا ملائكة!

أتابع بشكل شبه دائم رؤى وآراء الدكتور علام التى يقدمها من خلال صفحته على الفيس بوك وأحرص على مشاهدة والاستماع لمقابلاته ومداخلاته فى الفضائيات المختلفة وأشعر أنه نبض مصر الحر رغم محاولة البعض النيل منه والإيحاء بدور له فى خروج أزمة سد النهضة إلى النور وهو اتهام أتصور أنه منه برىء. الدكتور علام مسكون بالقضية وتشعر أنه لا ينام الليل دون أن يلم بتطوراتها ونقل رؤاه عنها إلى متابعيه والإدلاء بدلوه بشأنها غيرة منه على قضية تدخل فى نطاق تخصصه وتتعلق بحقوق بلده.

 لعله ليس دخولا فيما لا يعنينى التساؤل الذى يلح على ذهنى كثيرا، هو لماذا لا يكون علام أحد الأعضاء الاساسيين فى فريق التفاوض المصرى للاستفادة بخبراته وتصوراته ورؤاه خاصة وهو أهل لذلك.. مجرد تساؤل يلح على عندما أتابع جهوده وهى فكرة أو طرح يعززه أن الرجل حريص على التوافق مع الموقف الرسمى ويلتمس التبريرات له عندما تبدو للبعض خارجة عن المقبول.

وربما يسجل تاريخ الأزمة والرحلة الشاقة على طريق التفاوض بشأنها جهود الصديق هانى رسلان رفيق رحلة الدراسة فى الجامعة والذى أصبح من فرط مواقفه الوطنية فى الدفاع عن الموقف المصرى وحقوق مصر التاريخية هدفا أساسيا للمتشددين الاثيوبيين والذين يسعون لدحض أطروحاته التى يرونها تساهم فى تعزيز الرؤية المصرية حول المفاوضات. ولعلى لا أبالغ إذا أشرت إلى أن مواقف الصديق هانى مع مواقف «علام» ورفقائهم تساهم فى تشكيل وصياغة الرأى العام المصرى وهو أمر محمود حتى لا يصبح تشكيل مواقف المصريين يأتى من قوى معادية أو مترصدة للنظام قد تمثل عبئا على تعاطى النظام المصرى مع القضية خاصة فى ظل حقيقة أن بعض هذه المواقف الرسمية تبدو عصية على الفهم فى منظور بعض المتابعين للقضية. والميزة أن مواقف رسلان تتكامل مع رفيق دربه فى القضية الدكتور علام، ففيما ينطلق الأخير من جوانب فنية، فإن رسلان بحكم دراسته للعلوم السياسية يقدم رؤى تتسم بالعمق فى الشق السياسى للمفاوضات.

وفيما يبدو سيمفونية وطنية تكمل أداء «علام ورسلان» تأتى مواقف الدكتور حمدى عبدالرحمن الذى يقدم فى ملخصاته ما يرقى إلى اعتباره دراسات عن الأزمة فى أبعادها الشاملة، ولعل ما يميز إسهامات الدكتور عبدالرحمن أنها رغم أنها تمتلئ بالوطنية والغيرة على مصالح بلده مصر إلا أنها تتسم بقدر كبير من الموضوعية التى تسم الدراسات السياسية ما يجعلها تحوى مواقف ربما تتضمن قدرا من النقد البناء للأداء المصرى وهو النقد الذى يأتى فى سياق الرغبة فى خروج المفاوض المصرى منتصرا ومحققا لمطالبه.

على المنوال ذاته تأتى مداخلات وتعليقات وآراء الدكتور نادر نور الدين، صحيح أنها قد لا تكون على الوتيرة ذاتها لرفقاء النضال بالكلمة من أجل تأكيد حقوق مصر المائية وتعزيز موقفها بشأن مفاوضات سد النهضة على صعيد التوافق فى النظر لمسارها، إلا أنها فى النهاية ربما تعبر عن ضمير المصريين وقلق قطاع كبير منهم على ما يجرى باعتبار أن المظاهر تشير إلى الجوهر، وأن تعثر المفاوضات وما يبدو من مماطلة إثيوبيا يثير المخاوف على ما قد تؤول إليه الأمور مستقبلا وفرض أديس أبابا لواقع يغير من حقائق التاريخ وأوضاع الجغرافيا التى يعرفها المصريون.

ربما تطول القائمة وهى طويلة بالفعل ولكن هذه ليست سوى نماذج تؤكد أن الوطنية تسرى فى دماء الكثير من المصريين إن لم يكونوا كلهم الأمر الذى يدفع للتفاؤل رغم كل دواعى الإحباط ومثيرات التشاؤم التى تسعى لدفعنا فى الاتجاه الآخر!

د. مصطفى عبدالرازق

‏[email protected]