رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

أبصر الريم طافيا فوق سطح الماء، فلا أندهش. تلك إحدى خصائص الدنيا. تلمع النجوم الكاذبة، تزدهر الورود الصناعية، تخطف بهرجة الألوان عيون الرائين، ويموج الزبد حولك، لكن لا يمكث فى الأرض إلا ما ينفع الناس.

التفاهة تكسب. لا تبتئس، ولا تُحبط، فهذا طبيعى كما يقول الكندى آلان مونرو صاحب كتاب «نظام التفاهة». لا تستغرب ولا تتعجب من أن تجد الجهلاء فى مقدمة الصفوف، أن يعلو الأسافل لأنهم أمالوا رؤوسهم، أن يثرى الدهماء ويتوارى أصحاب المواهب، أن يشترى القوادون صحفًا وصيتًا ومكانًة، أن يتحرج قائل الحق من قوله طلبًا للأمان، أو سعيًا لراحة البال، أن تصمت البلابل خجلاً من أن يختلط شدوها بصخب النهيق.

قاوم ثم قاوم أقولها للمصدومين حولنا.

أتابع مواهب مُدهشة على بدايات الطريق. تستدرجها فكرة أفول الموهوبين السابقين، وتستسلم للتدنى بحثًا عن أى لمعان.

يقول لى أحدهم مستسلمًا لعواصف زمن التفاهة: لم ننزف أرواحنا لنرسم جمالاً، وهناك مطرب جهول لم يقرأ كتابًا يكسب الملايين كلما أطل؟

كيف نتحدث عن فن جميل خالد، ومحمد رمضان يعتبر نفسه أستاذًا للفن؟

لم نُبدع ونشحذ عقولنا ومشاعرنا وهناك راقصة شعبية تسبق مؤخرتها مقدمة ابن خلدون؟

كيف نمضى فى طريق الكتابة بعد أن صار قدم اللاعب رمضان صبحى أغلى من رأس نجيب محفوظ؟

لماذا نواصل السعى للجمال وكل ما حولنا إعلام وسوشيال ميديا ومجتمعات تحتفى بالقبح؟

أجيبه بأن التقييم فى غير محله. أقول له إن الحساب لا يصح. تعالوا نتحاسب بعد مئة عام أو مئتين عندما يذكر آخرون لا نعرفهم ما كتبه المبدعون بخير.

تعالوا نرى القيمة بمعيارها الحقيقى وهو نفع الناس وإمتاعهم، لننظر بصدق لما زال وما بقى.

عاش عبد الرحمن الجبرتى فى قعر داره سنوات طويلة، لا يعرفه الناس، يكتب فى صمت، بينما كان ثانى أكبر رأس فى البلد هو محمد لاظ أوغلى يملك كل شيء: المال، النفوذ، العيون، وبإشارة من يده يصعد بأناس، وبأخرى يهبط بهم. مَن بقى من الاثنين؟ إن الجبرتى الآن هو جسر المعرفة الأول للعالمين لمعرفة ما دار فى مصر فى ذلك الوقت، لذا فقد خلد اسمه، بينما لا يكاد سوى المتخصصين فى التاريخ هم مَن يعرفون محمد لاظ أوغلي.

مثال قريب بعض الشيء، كان فى الستينيات، عندما كان الروائى نجيب محفوظ ينشر رواياته. وقتها كانت مبيعات كُتب «محفوظ» لا تتجاوز ألفى نسخة، بينما كان هناك روائى آخر( تجاري) هو خليل حنا تادرس توزع كتبه عشرات الآلاف من النسخ. كانت كافة الفئات الشعبية تشترى كتب «تادرس» بحثًا عن الإثارة، لكن بعد أكثر من نصف قرن، اكتشفت بمحض الصدفة أن تادرس مازال حيًا، لكن لا يعرفه أحد. صحيح أنه أثرى بمبيعات رواياته المثيرة، لكنه مع الزمن خبا وانطفأ ولم تبق له رواية يذكرها أحد، بينما صارت إبداعات نجيب محفوظ تُدرس فى جامعات العالم.

أقول لكل مبدع مخضرم يداعبه الندم مقولة محمود درويش الخالدة: لا تعتذر عما فعلت. ولكل مبدع فى بداياته أستعير قول عبد الرحمن الشرقاوى «مفتاح الجنة فى كلمة» فقلها ولا تفر.

والله أعلم.

‏[email protected]