رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

سلالم

 

 

أحفظ المصطلح جيدًا، فقد كتبته مرارًا، على ألسنة مسئولين، وضمن توصيات مؤتمرات، وبين رؤى أوراق بحثية ودراسات اقتصادية. كلمتان توحيان بالثقل، لكنهما خفيفتان فى التأثير الحقيقى من فرط اللاحدوث، وهما «الاكتفاء الذاتى».

أتذكر قبل ما يقارب ربع قرن، أننى سمعت المصطلح مرارا وتكرارا من الدكتور أحمد جويلى وزير التموين الأسبق رحمه الله، وهو يتحدث عن القمح، أو السكر أو الزيوت أو أى سلعة يعتبرها من السلع الأساسية.

 كان الاكتفاء الذاتى هدفا معلنا لكثير من السلع الغذائية والأساسيات، وكان البعض يُردد عناوين شارحة ومفسرة عديدة حول المصطلح من عينة «مَن يملك قوت يومه يملك قراره» و«الحرية الحقيقية هى حرية رغيف الخبز»، وغيرها من الأقوال المشابهة.

وبالفعل كنت وكان فصيل كبير من الاقتصاديين والمتابعين لأحوال وأخبار الاقتصاد نؤمن أن الاكتفاء الذاتى من كل سلعة ضرورة قصوى، وهى ضرورة ملحة ولازمة دون أن نفكر فى تكلفة ذلك الاكتفاء، بمعنى إن كنا مؤهلين فى الأصل له أم لا، وإن لم فما الذى علينا أن ندفعه لتحقيق الاكتفاء؟ وهل ذلك الثمن بالفعل يساوى مكاسب الاكتفاء أم لا؟

ومع الوقت، تطور المفهوم، وتشعب، وتعرض لعواصف ذهنية عديدة، وانتهى الاقتصاديون إلى أن المصطلح صار موضة قديمة. لا معنى للاكتفاء الذاتى من سلعة ما أن كانت تكلفتها أعلى كثيرا من تكلفة استيرادها من الخارج. ولا معنى للاكتفاء الذاتى إن كان تحقيقه فى قطاع بعينه يمثل خصما أو خسارة لقطاع آخر. خذوا مثلا سلعة الأرز، وهى إحدى السلع الأساسية للمصريين، وهو محصول يحتاج كثافة مياه، لذا فإن تحقيق الاكتفاء منه يكون على حساب محاصيل أخرى تستهلك مياهاً قليلة وتخرج إنتاجا وفيرا.

لقد كان القمح تحديدا محل استخدام متواصل للمصطلح، لأن الماضى شهد ضغوطا سياسية واستغلالا من بعض الدول ذات الإنتاج الوفير لتمرير قرارات سياسية، تماما مثلما حاولت الدول العربية أن تفعل بسلاح البترول فى حرب 1973، وهو أمر شائع ومعروف ومستخدم.

لكن العالم يتغير، ويتبدل، ويراجع أحواله، ويعيد تدبر مسلماته، ويشهد كل يوم فكرا جديدا وتصورا أكثر حداثة، وما هو قانون نهائى لا يقبل الشك فى الماضى، صار فيما بعد نظرية واهية عفا عليها الزمن.

لذا فقد تغير الأمر تماما، وأسهمت حرية الأسواق فى اتساع الكميات المعروضة من القمح أو غيرها من السلع وتنوعت المناشئ وتعددت المصادر، وارتفعت تكاليف العمالة فى بعض البلدان، فتركت سلعا تماما ولم تنتجها وركزت فى إنتاج سلع أخرى. وصارت كلمتا «الاكتفاء الذاتى» لا تُردد بالحماسة ذاتها التى كانت تُردد بها، لأن الجميع أيقن أنه لا توجد دولة تنتج كل شىء، وتُكتفى بكل شىء، وتستغنى عن العالمين. ووصل الأمر أن أكثر الدول شمولية وانغلاقا صارت مجبرة أن تفتح أبوابها ولو قليلا، وأن تشطب تماما على كلمتى «الاكتفاء الذاتى»، فالاكتفاء الحقيقى هو حسن إدارة الموارد والإنتاج.

والله أعلم.

[email protected]