تأملات
أوقن بشكل جازم، يقينى بأنك تقرأ هذه السطور الآن، أنه لن يضيع من حقوق مصر المائية قطرة ماء واحدة، وهو الهدف الذى سيتحقق بإعادة النظر فى استراتيجية التفاوض، بل وربما الرؤية المصرية الشاملة للقضية برمتها. ولحين تحقق ذلك الهدف، فإننى مثل أى مصرى أشعر بالقلق، وهذا أمر طبيعى أشار إليه الرئيس السيسى فى افتتاح مصانع الغزل بمدينة الروبيكى الأسبوع الماضى. ومصدر القلق أن سد النهضة ربما مثل أول خطر حقيقى على تدفق مياه نهر النيل إلى مصر منذ أن أشرقت شمس حضارتنا على البشرية.
غير أنى أحاول أن أتجاوز القلق بالعمل، كما أشار الرئيس كذلك فى المناسبة ذاتها «كلما شعرت بالقلق اشتغل».. والعمل فى هذا السياق -من وجهة نظري- المساهمة بأى قدر ولو محدود فى الحد من هذا الخطر. وعلى ذلك لا أجد غضاضة أو حرج فى الاعتراف بأن أول إجراء قمت به هو تقزيم مساحة الحديقة الخاصة الملحقة بسكنى الخاص بـ«تبليط» الجزء الأكبر منها وتبوير «النجيلة» توفيرا للماء المستهلك. وأعترف بأنه لولا بضعة أشجار مثمرة، تعوّض لدى الرغبة فى امتلاك عدد من الأفدنة لأكون عنصرا منتجا فى المجتمع لقمت بالقضاء على كل ما هو أخضر بالحديقة. أعترف أننى لم أعد أشعر بالحرج عندما ينظر لى البستانى الذى يتابع الحديقة بالشك من أننى أخاف ارتفاع فاتورة المياه رغم محاولاتى العبثية لشرح أن الأمر غير مرتبط بالفاتورة قدر ارتباطه بضرورة ترشيد استخدامنا للمياه لظروف عديدة منها سد النهضة.
أعترف بأننى فكرت مرة فى ما تستهلكه الأندية من مياه فى رى المساحات الخضراء الشاسعة بها، وتملكتنى فكرة المبادرة بالدعوة لحملة قومية لإنشاء محطات معالجة صرف -على غرار ما هو مزمع فى كمبوندات العاصمة الإدارية- من أجل رى الحدائق فى تلك الأندية، غير أن تلك الفكرة بقيت فى إطار التمنى لأن مثل تلك المهمة تتجاوز قدراتى وطبيعتى فى الوقت ذاته! أعترف بأننى رغم قلقى ينتابنى قدر من الحبور كلما تم الإعلان عن إنشاء محطة تحلية مياه حتى أننى بكل طفولية أجمع ناتج تلك المحطات، غير أن الحبور يخبو بعد أن أتيقن من أن أى كمية «محلاة» لن تتجاوز أن تكون قطرة فى بحر احتياجاتنا!
أعترف بأن قلقى بدأ يؤثر على حياتى الخاصة حين رحت أدخل فى اشتباك لفظى مع أحد الجيران الذى يصر على غسل سيارته بكميات مياه غير طبيعية بكل سفاهة. ورغم أنى فكرت فى الاتصال بالشرطة للإبلاغ عنه إلا أن ما جعلنى أتراجع خوفى من ألا يلقى بلاغى أى اهتمام. كاد قلقى ذاك يؤدى بى إلى التهلكة حين كنت أمر بأحد المراكز التجارية وساءنى أن أجد عاملا بكافتيريا يستخدم خرطوم المياه فى إغراق ساحة المركز التجارى بالكامل بالمياه، وحين رحت ألفت نظره لخطأ مثل هذا السلوك فوجئت بحشد من رفقائه حولى خرجت منه سالما بالكاد بعد أن أشعرونى بأنى أجرمت وغلطت فى «البخاري»!
أعترف ولأنى مريض ضغط، بأننى أصبحت أتجنب بعض الأخبار المتعلقة بمفاوضات سد النهضة التى تأتى بما هو مخيب للآمال وتحاول من خلالها إثيوبيا أن تختال علينا بما أنجزته حتى لا يزداد ارتفاع ضغطى. وعلى هذه الخلفية فكرت فى اللجوء إلى دكتور أمراض مائية وبالفعل وصلت لرقم هاتف دكتور كبير واتصلت به لزيارته فى مكتبه -عيادته- غير أنه أحبطنى عندما أكد لى أنه لن يفيدنى لأنه مصاب بمرضى ذاته!. فكرت فى التواصل مع صديقى العزيز الخبير هانئ رسلان أو بلدياتى الذى تربطنى به صلة قرابة من بعيد الدكتور نصر علام غير أنى استخسرت تضييع وقتهما مفضلا أن يتنقلا بين الفضائيات ليواصلا دفاعهما المتميز عن موقف مصر بدلا من بعض «الهرتلة» التى نصادفها من بعض الضيوف المصريين الذين يسيئون لنا أكثر مما يضيفون.
أعترف بأننى لم أجد أمامى سوى اللجوء إلى أحد الذين يلجأون للعلاج الشعبى فى قضايا المياه والذى أخرج من تواصلى معه مرتاحا بفضل مجموعة الحجج المسكنة التى تؤكد لى أن مخاوفى ليست سوى أوهام وستؤكد لى الأيام ذلك، رغم يقينى بأنه هو ذاته لا يجعلنى أتعاطى سوى أوهام!
زاد شعورى بسوء حالتى تطورها من القلق إلى الهلاوس، فقد صحوت من نومى فجأة منذ أيام لأجد نفسى ضللت طريقى إلى عملى فى الوفد – لا أدرى لماذا تحول مقر الوفد فى الحلم إلى ذاك الذى كان قائمًا فى شارع قصر العينى قبل زلزال 1992 وليس القائم حاليا فى الدقى – وحينما رحت أبحث عن مخرج وجدت نفسى فى منطقة بالمنيل كلها خضرة على الجانبين، وهو مشهد لم أجد معه سوى النقمة على من قام بزرعها والتهاون بكمية المياه التى تستهلكها هذه المساحة. عندما قفلت عائدا لأخذ طريقى الصحيح وجدت صنبور مياه بالشارع وقد فتح على آخره فكرت فى النزول من السيارة لأغلقه ولكنى تراجعت عن ذلك – فى الحلم – على أساس أنه لماذا أحمل أنا وحدى عبء وقلق شح المياه فى «المحروسة»!!
أعترف بأننى شعرت بالحزن على نفسى من أننى ربما بسطور هذا المقال أدخل بـ«حق وحقيق» فى مرحلة خطرة من الهلوسة.. عافاكم الله وعافانى منها!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض