على فكرة
لا يخلو فصل تشريعى أو دورة برلمانية ، من هجمة شرسة من عدد من النواب على ثلاثة ملايين وحدة سكنية للإيجار القديم، بتقديم مشاريع قوانين تستهدف إما المطالبة برفع الإيجار، أو إنهاء العلاقة الإيجارية وعدم توريثها للأبناء ، وجعلها علاقة حرة تخضع لمقتضيات السوق وللعرض والطلب. لم يتعلم هؤلاء النواب من المآسى المنتشرة حولنا فى كل مكان ، التى خلفها قانون الإيجارات الجديد لفئات اجتماعية هائلة من محدودى الدخل والفقراء ، وذوى الدخول غير الثابتة، الذين بات مصيرهم مرهونًا برحمة صاحب العقار أو جشعه ، ويعيش كثيرون منهم فى ظروف سكنية بائسة ، وتحت ضغوط عاتية ، يخيرهم فيها مالك العقار بين شرين ، إما زيادة الإيجار سنويًا أو الطرد منه إلى العشوائيات بطبيعة الحال ، بعدما بات الطابع العام للسكن فى مصر هو التمليك !
وتدعو المبررات التى يسوقها مقدمو تلك المشاريع إلى الرثاء والسخرية معا ، لأنها تنطوى على أسباب تبدو منطقية لكنها تقود إلى نتائج فاسدة .ومن بين تلك المبررات القول بأنه من غير المنطقى أن يكون إيجار وحدة سكنية قديمة، أقل من سعر كليو لحمة، وأن منع توريث الوحدة السكنية ورفع إيجارها يرفع الظلم الواقع على الملاك، وأن الوصول إلى ذلك يضمن السلامة المجتمعية، و أن الإبقاء على منظومة الإيجار القديم يتعارض مع خطوات الإصلاح الاقتصادى الذى تقوم به الدولة ، فضلا عن أنه يتعارض مع الدستور ومع الشريعة الإسلامية !
لا تحدثونا عن الحلال والحرام والسلم الاجتماعى والقراءة الانتقائية لمواد الدستور ،والهدف الأساسى من تلك المشاريع هو تعظيم مكاسب الملاك -النواب -على حساب 15 مليون نسمة فى أقل تقدير، هم سكان عقارات الإيجار القديم ، يستطيعون بصعوبة موازنة احتياجاتهم الحيايتة بسبب هذا الإيجار القديم ،هذا فضلا عن أن ملاك تلك العقارات قد حصلوا على مدار السنين ، على أكثر مما أنفقوه على بنائها بعشرات المرات ،وليس هناك ما هو أخطر على السلام الاجتماعى من مرور ذلك المشروع فى مجلس النواب ،الذى لا يخفى على لبيب فطن توقيت عودته للظهور فى سياق بدء الحملات الانتخابية لمجلسى النواب والشيوخ ، لمخاطبة الأثرياء الذين ينفقون ويمولون تلك الحملات ، وهم من يغمطون على 15 مليون مصرى الحق فى العيش الكريم المتوازن فى سكن بإيجار منخفض ، ويطالبون الدولة بإنشاء صناديق مالية لتعويضهم بعد طردهم من سكنهم !
اتقوا الله فى هذا البلد وأغلبية أهله من الفقراء ومحدودى الدخل ، ولا تعرقلوا خطوات الدولة المتسارعة للقضاء على العشوائيات، ومد الطرق والكبارى وحفر الأنفاق ، وإعادة بناء البنية التحتية، وتنقية مؤسسات الدولة من الفساد الذى وصفه الرئيس السيسى وهو يتحدث عن الاعتداء على أراضى الدولة، بأنه أخطر على البلاد من الإرهاب ، بعدما عشش بها لعقود ، ونهب ممارسوه مواردها بحيل شتى ، وحطموا قلاعها الصناعية ،بعد تخسيرها لصالح الخصخصة ، الذى آل النصيب الأعظم من عوائدها المالية لمن نظًروا لها ونفذوا خطواتها .
أما الدستور الذى يتسترون وراءه فهو يقضى فى مادته الثامنة بأن تلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية ، وتوفير سبل التكافل الاجتماعى ، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين .
وجد رئيس مجلس الوزراء الوقت والصبر، لكى يعقد اجتماعًا موسعاً لوضع قواعد للتصالح مع المخالفين لشروط البناء ، بعدما أكد الرئيس السيسى أن أى تجاوز واعتداء على أراضى الدولة ، لا يجوز التعامل معه إلا بإزالته فقط ومحاكمة المتسبب فيه ، لتحقيق الأمن الذى يمنع فاسدا من مواصلة فساده .
وأتمنى أن يجد الدكتور مدبولى الوقت لكى يطمئن 15 مليون مواطن أن الحكومة لا تقبل باقتراحات هؤلاء النواب ، وأن العدالة الاجتماعية تقضى بحماية كرامتهم وحياتهم من تهديدات مستمرة بتعديل العلاقة الإيجارية ، وأنها سوف تردع كذلك الساعين للربح والمكاسب على حساب أمن واستقرار المجتمع .
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض