سلالم
ليس أسوأ من حديث من أجل الحديث، أو الكتابة بغرض الكتابة، أو تسويد لفراغات واستدرار للمشاعر لرسم بطولات زائفة، أو كسب تعاطف كاذب.
ليس أقبح من ردح ليل نهار، ثرثرة لا تفيد، وقذف متواصل بالحجارة بين فئات من البشر يعتقد كل طرف منهم أنه على الحق المطلق والآخر مخطئ تماماً.
يبدو ذلك جلياً فى استخدامات العرب لمواقع التواصل الاجتماعى، التى انقلبت ساحات عراك، وحلبات مصارعة، وملاعب خناقات وصراعات سياسية ودينية وفكرية وشخصية، تجاوزت تطبيقات السوشيال ميديا فيما هو غالب فكرة التواصل، السؤال عن الحال والصحة، الحديث الهادئ المنمق، التعازى ومشاطرة الأحزان، والتهانى وبث كلمات المجاملة والدعاء بالتوفيق، أو حتى الاختلاف الرصين والعميق إلى لكمات وتشاحن وتبادل للاتهامات والأوصاف الشائنة.
فى أمور عدة انقسم الناس على قضايا لا تستحق الانقسام، وفى أوقات عصيبة ساد التوتر ونمت الشائعات وأمكن استغلال تطبيقات كان الغرض منها التقارب بين الناس للوصول لحالات تباعد وعداء غير مسبوقة.
يمكن لأى متابع لصفحات الفيسبوك تحديداً فى بلادى رؤية الثغرات الوسيعة فى المجتمع بإطلالة واحدة لمتابعة آراء الناس فى قضية ما، يمكن التعرف بصدق على مستوى التدهور الأخلاقى والحدة فى الخصومة من خلال الفرجة عشر دقائق على محاورات الناس.
ما أراده مارك زوكربرغ يوماً من إنشاء حواضن تجمع الناس، وتطلق قدراتهم للتعبير، وتفتح لهم نوافذ للشكوى وطرح المشكلات لم يتحقق، وإنما اتسعت الحرية وانقلبت لدى شعوب فارغة الأهداف والقضايا إلى فوضى، لتتبدل حوائط التواصل وتنقلب جدراناً للكراهية والنفور والتحريض المتبادل.
لماذا لم يسعدنا الفيسبوك؟ ولم يقربنا «تويتر» و«انستجرام»؟ لماذا تباعدنا أكثر وأكثر، وتخاصمنا أكثر، وفضحنا بعضنا البعض أكثر؟ أتساءل عما دفعنا إلى أن نسىء استخدام السوشيال ميديا، وجعلناها خصماً لا مكسباً، ولا أجد سوى التعليم والثقافة والتحضر.
كلما هوى التعليم قلت الثقافة، وكلما انخفض مستوى الثقافة تسيد الجهل العام وهو جهل نشط، قائم على التخوين والتشكيك أو التهوين والتهويل، يمسك فى الغرائب، وينفخ فى الشائعات، ويشعل الحرائق، ويستفز الجميع.
لم يكن غريباً أن أقابل كثيرين فى أمريكا وأوروبا ليس لديهم حساب على الفيسبوك، ولم يكن مدهشاً أن أعرف عظماء ونبهاء لا يطلون على حساباتهم سوى ساعة كل عطلة أسبوعية، وكان من الواضح أن من يمتلكون علماً أو فكراً يرفضون تبديده دون طائل على السوشيال ميديا.
وقراءتى للغد تحسب أننا مع التطور والتثقف والسأم من القبح المتمدد سنغير من أسلوب تعاملاتنا الإلكترونية الاجتماعية. وأتصور أننا مع الوقت سنتخارج، سنمل، سنتسرب، سنقلل من ساعات تجوالنا عبر الحسابات للفرجة على المساجلات، وسنفكر ألف مرة ومرة قبل أن نستقى معلوماتنا من صفحات السوشيال ميديا، وأعتقد أن الذروة التى وصلها الناس فى التعامل مع الفيسبوك وأخواته ستتباطأ رويداً، وسيعود الناس إلى وسائل تقليدية يحسبها البعض اندثرت، فمع سقوط العولمة تدريجياً ستسقط أمور كثيرة ربما حسب البعض أنها لن تسقط.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض