برحيل الشاعر د. شاكر مطلق تفقد حمص أهم أركانها الأدبية حيث جعل من حمص واحة أدبية وجعل من بيته مقصد الشعراء والنقاد والأدباء؛ فهو طبيب جراحة العيون الذى أغواه الشعر فتبع ندّاهة الشعر حيث أفضت به إلى وادى عبقر حيث الأساطير التى نهل من أنهارها المقدسة وحكاياها التى لا تنتهي؛ من خلال الصديق الناقد والمترجم د.عبده عبود وصديقنا المشترك الناقد د.عبدالإله نبهان تعرفتُ على الشاعر الدكتور شاكر مطلق الذى أهدى إليَّ عشر مجموعات شعرية كتبها بعناوين مدهشة: نبأٌ جديد ومعلقة جلجامش وتجليات عشتار وذاكرة القصب وتجليات الظلال وتجليات الثور البرى، وغير ذلك من الدراسات النقدية والترجمات من الألمانية التى كان يجيدها حيث درس الطب هناك، كانت الأسطورة المعين الذى عاشه ليؤسس أسطورته الذاتية حيث رأى فى الأسطورة لغة العقل الأولى وسر الجذور؛ حينما شاركتُ فى مؤتمر أبى العلاء المعرى الذى عُقد بمعرة النعمان وافتتحه الدكتور رياض نعسان أغا وزير الثقافة آنذاك وألقيتُ كلمة الضيوف والتقيت الأصدقاء د.حسان أوغلو، د. فاروق إسليم، د.محمد فاتح زغل، د. مصطفى جطل،
كان شاكر مطلق فى انتظارى مع د. عبدالإله نبهان ليأخذنى لبيته- أو إن شئت الدقة -قلعته، بناء أقامه على طراز القلاع القديمة بالحجر وبينما كنت أصعد سلالم المدخل كان هناك كلبان ضخمان فى انتظارى رابضيْن عن يمين وشمال الباب الكبير، توجست خيفة لكنه ابتسم قائلا: إنهما صديقاى جلجماش وإنكيدو، عندما دخلت بيته تخيلت أننى فى العصر العباسى وقلعة سيف الدولة الحمداني، سلمَت علينا حرمه الألمانية التى أحضرت المشاريب الحمصية والأكلات السورية بينما نستغرق فى حوارات أدبية ونقدية فى الأدب العربى والألماني، ويقطعها عبدالإله نبهان منبها إلى أن الليل قد انتصف من زمن وعلينا الذهاب، يصرّ على أن يوصلنى بسيارته لنستكمل حواراتنا التى لا تنتهي. بدا لى أن جلجامش يقود السيارة لأنه يستحضره وكأنه عاش هذا الزمن فى أوروك. فى إحدى زياراتى الأخرى لسوريا أقمت فى حى الخضر بحمص وعندما جاءنى د. عبدالإله نبهان لنذهب سويا إلى د. شاكر مطلق، قال لى مازحا: أنت تسكن بحى الخضر لأنك صاحب الخضر وألفتَ كتابا عنه، سنذهب إلى شاكر بالمستشفى لأن جلجامش تعارك مع إنكيدو فتدخل لفض الشجار بينهما فناله منهما خدوش وجروح، وذهبنا إليه بالمشفى خرج إلينا ملفوف الأيدى والرقبة وأصرّ أن يأخذنى لبيته.
حاولت أن أعتذر فهو فى حاجة للراحة لكنه أصر، فى الطريق توقف أمام بائع حلوى مشهور واشترى لى كل أنواع الحلوى الشامية لآخذها للأهل بمصر، فى قلعته حيث السيوف والحِراب والخناجر مرصوصة على جدران بيته استلقى على أريكة ورحنا فى نقاش طويل قطعه د.عبدالإله نبهان لأودعه الوداع الأخير، قبل أمس أبلغنى صديقنا د. حسان أوغلو بوفاته فى 22مايو الجارى قبل أن نحتفل معا بصدور كتابه «الأدب الجرماني» الصادر عن المطبعة الأميرية وقد أصرّ على أن أكتب له مقدمته وأرى أنه أهم كتاب ترجم لمعظم الشعراء الألمان ويربو على ألف صفحة فى لغة بليغة حيث ترجم الشاعر العربى شاكر مطلق لشعراء ألمان، أرسلتُ إليه بعض النّسخ مع د. مصعب عبدالإله وكم فرح بها كثيرا لكننا لم نحتفل سويا بهذا السِّفر الجليل لأنه آثر السفر الطويل، ربما لم يحتمل ما يحدث فى بلده!
بالأمس أرسل لى الصديق د.عبدالإله نبهان معزيا: «اليوم كانت جنازة الدكتور شاكر وكانت متواضعة نظرا للظروف وقد دُفن فى حديقة بيته بناء على رغبته، له الرحمة» فوداعا شاكر مطلق.
• خاتمة الكلام
قال شاكر مطلق
أنا سرٌ يتخفى فى حشاي أو حشاك
مُعلناً وجهى شموساً عندما الرائى يراه
فى كتابِ العدَميّة
لمعةَ الإشراق والنٌوِر المصَفى
وعلى الأكوان مني
كل شيٍء والفراغ
وفراغاً لن نكون
فاشرب الخمرةَ من كأسِ الَهواء
وتأهب للقاء !...
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض