أمنية العاشقين وغاية أمل المشتاقين الولوج الى رحمات الحضرة الالهية وما أدراك ما الحضرة الالهية هى النور الكاشف الدائم الذى يرقى فيه المجذوبون فى مدراج الحب وينقلهم من علم اليقين الى عين اليقين هى النعيم السرمدى فى جنة القرب حيث لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر هى عطاء غير مجذوذ هى شهادة معانى الاسماء والصفات بسائر التجليات الجمالية والجلالية هنا تفتح عين كاشفة قبالة هذا القلب المشرق بحب الله لترى الروح انوار ملكوت السماوات والأرض وتشهد عجائب خلق الله وقدرته المطلقة.
هنا صدق قوله «وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين».
هنا نور على نور وكأس محبة تدور بهيبة وقار كمال الجلال المحلى بسلام لطف بهاء عظمة الجمال.
هنا عناية «وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».
لكن الوصول الى حيث لا حيث له شروط اهمها ان يصوم موسى ثلاثين يوما عن شهوة الاكل والفرج وينفرد بالعبادة فلما صام الشهر أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خرنوب فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. فزيد عليه عشر ليال عندئذ حظى بالقرب والانس.
وذكر صاحب الاحياء حجة الإسلام ابى حامد الغزالى أن الصوم على ثلاث درجات هى صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الصفات الدَنِّيَة، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، ويحصل الفطر فى هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين، فعندما حضر السيدة نفيسة الموت وهى صائمة ألزموها الفطر فقالت مستنكرة واعجباه أسأل الله منذ ثلاثين سنة أن ألقاه وأنا صائمة أفأفطر الآن، هذا لا يكون، ثم أنشدت تقول: اصرفوا عنى طبيبى ودعونى وحبيبى زاد شوقى إليه وغرامى ونحيبي
ثم قرأت سورة الأنعام حتى وصلت إلى قوله تعالى:
«لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، فنالت ما طلبت و صعدت روحها الطاهرة بسلام الى حظيرة الحضرة السنية.
فهؤلاء الذين وصلوا تهيأت قلوبهم وصفت بأذكارها وانقطعت العلائق بأستارها وتقابلت الحضرتان وسطعت أنوار الحضرة الإلهية من قوله تعالى «الله نور السماوات والأرض»، التقت بأنوار عبودية القلب وهو ساجد سجدة الأبد اندرج نور الربوبية فى نور العبودية فكان له عينا وروحا وجسدا. ثم بعد ذلك يسأل سائل ما الحكمة من الصيام؟ صدقت يا من قلت «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور».