أوراق مسافرة
رغماً عنى.. وجدتنى مدفوعة دفعًا إلى تلك المواجهة، بل قل الحرب، أجد لى بالكاد بقعة صغيرة، موطئ قدم بين صفوف البشر المسالمين المغيبين عن أى تكتل أو تنظيمات للمصالح الكبرى أو الصغرى، أقف مكبلة بالخوف اللعين بين كل هؤلاء المكتفين بمفهوم «الستر» الوظيفى والتى يعتبرها هؤلاء المسالمون الإطار الكلى لحياتهم، إطار يستحيل ان ينفذوا منه إلى عالم التكتلات والمصالح الكبرى التى تحكم الأنظمة والدول وتسير مصائر البشر، تتصاعد لدىّ معدلات «الأدرينالين» تلك الهرمونات التى يلقبها البعض بـ«عصارة الخوف»، وأنا أتلقف بين الجموع كل لحظة اخبار الفيروس الخارق، وهو يقضى على عشرات الآلاف، ويحاول التمكن من ملايين آخرين، الضحايا يتزايدون، والموت صار قريبًا جدًا مع أى نفس نتنفسه، أى لمسة.. همسة.
ادرينالين الخوف يتزايد لدى البشر المسالمين بالعالم.. تتصاعد التوقعات بكل دولة، سنموت.. سنسقط فجأة فى أماكننا، او قد يرفضون دخولنا المستشفى لأن هناك من هم أولى منا بالعلاج من الأطفال والشباب، ولن يسير فى جنازتنا أحد، لن يصلى علينا أحد، سيلقونا فى حفر واسعة بلا أى ضوابط أو طقوس تكريم ميت، ويهيلون علينا التراب، ويلعنونا فى سرهم، لاننا عرضناهم للخطر وهم يحملون أجسادنا إلى اللحود، ملعونة تلك الأنظمة المادية الحجرية التى تفرق بين انسان وآخر وفقا لعمره او اسهامه فى الإنتاج، رغم تشدقها وشعاراتها الرنانة بحقوق الإنسان والمساواة فى كل الدساتير والمواثيق، ألم يكن هذا المسن او المريض من قبل منتجا.
يصعد الخوف من معدل القلق فى «اللوزة»، المنطقة بالدماغ التى تستقبل وتدير الاستجابات العاطفية، تتصاعد الإشارات السلبية إلى أجزاء أخرى من الجسم، تتأرجح المقاومة الطبيعية داخل اجسادنا ما بين خيارين، القتال أو الفرار مع تزايد الادرينالين، تتراجع المناعة، تتلاحق انفسانا بسرعة مع دقات القلب، اتلفت حولى فى مزيد من الخوف وانا ارى بخيال الحمى السارية برأسى اشخاصا يسقطون بفعل تزايد هرمون الخوف، منهم من يصاب بالإغماء، تنميل الأطراف، الضعف العام، ويجد الفيروس اللعين الفرصة سانحة، مع ضعف المناعة، فيهلل فرحا وهو يخترق المزيد من ضحاياه.
تعاودنى عقيدة المؤامرة بشدة، مع تلك الأخبار المخيفة المكثفة حول الفيروس، انهم يتآمرون على وظائف المناعة لدينا لييسرو على الفيروس اختراقنا وهزيمتنا ليسقط المزيد من الضحايا، خاصة المرضى، المسنين، المصابين باضطرابات القلق العصرى نتيجة ضغوط الحياة، فتظهر بين جموع المسالمين امراض نفسية وفسيولوجية جديدة ابسطها القولون العصبى، وتتدرج ما بين ضغط الدم، السكر، القلب.
بين جموع البشر المسالمين المتلقين تفاصيل المؤامرة بكل امتثال يصاب بعضنا بالإحباط، ومنهم من صدق خزعبلات نهاية العالم، فقرر إنهاء الوضع الكارثى بيده، بالانتحار، اخرون هزوا أكتافهم بلا مبالاة وقالوا أهلا بالموت.. الموت ارحم مما نقاسية فى تلك الحياة البشعة المجهدة بكل تفاصيلها الطاحنة.. نحن فقراء العالم، لا نجد قوت يومنا، نعمل، ويثرى آخرون على حساب شقائنا، وآخرون من فئة المؤمنين بالآخرة اصطبروا، واحتسبوا وقالوا انا لله لراجعون، سنعمل ما علينا بلا خوف أخذا بالأسباب، فلا ضرر ولا ضرار، وسننتظر ترتيبات القدر، سيدركنا الموت ولو كنا فى بروج مشيدة.
اما تلك الفئة الأخرى من العالم المنقاد بفعل التنظيمات صانعة المؤامرة، فقد اعتادت شعور الخوف وأصيبت بالرّهاب، وهو نوع من اضطرابات القلق، يحدث نوعاً من الخوف غير المبرر كالفوبيا من الأشياء، اى اشياء، يطل علينا عبر شاشات «البلازما» آخر الأنباء العلمية، التوصل إلى لقاح لكورونا، تتزايد الحمى فى رأسى حتى لتكاد تنطلق من مقلتى عينى، يقول المطل علينا من الشاشات: اللقاح سيتم بزرع رقائق إلكترونية فى أجسادنا.. أنتفض للمعلومة، وأصرخ لا.. وللحديث بقية.