هذه الدنيا
كارتر الذى أقصده فى هذا المقال ليس هو الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر الذى قاد الوساطة بين مصر وإسرائيل حتى توجت بمعاهدة السلام فى 1979، إنما هو عالم الآثار الشهير هوارد كارتر مكتشف مقبرة الفرعون المصرى الشاب "توت عنخ آمون" سنة 1922، فقد توقفت مؤخرا أمام قصة خطيرة رواها السيد عادل ثابت أحد أقارب الملك فاروق فى مذكراته: "فاروق الأول.. الملك الذى غدر به الجميع".. وقد عرفت عادل ثابت عن قرب شخصيًا والتقيته أكثر من مرة فى منزله بميدان "سيمون بوليفار" القريب من ميدان التحرير، ووالدته هى إبنة خالة الملكة نازلى، وسمعت منه الكثير، وتبقى مذكراته وثيقة هامة تكشف الكثير عن كواليس القصر الملكى، وما شهده من دسائس ومؤامرات وقف الملك الشاب فاروق عاجزًا عن ضبط إيقاعها وتحقيق التوازن بين صراعات كثيرة أبرزها الصراع بين الملكة الأم نازلى، والملكة الزوجة الشابة فريدة.
يروى عادل ثابت قصة قضاء الملك فاروق وأسرته احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة فى الأقصر أواخر سنة 1941، فقد انطلق القطار الملكى من محطة قصر القبة بالقاهرة ليصل الأقصر عن بزوغ فجر اليوم التالى، حيث تم حجز طابق بأكمله من فندق "ونتر بالاس" للمجموعة الملكية، وعلى مدى أسبوع قام أعضاء الأسرة الملكية بزيارات مستمرة للمعابد والمقابر الفرعونية بصحبة عالم الآثار الأكثر شهرة هوارد كارتر.. وكارتر عالم آثار انجليزى نجح فى اكتشاف مقبرة "توت عنخ آمون" سنة 1922 وهو الاكتشاف الذى أثار جدلا لا ينتهى حول ما يُقال عن "لعنة الفراعنة" بسبب نقوش موجودة على المقبرة تقول: "سيضرب الموت بجناحيه السامين كل من يعكر صفو الملك".. وعزز من قوة هذه الأسطورة حالات الوفاة الغامضة التى حدثت لكل من شارك فى افتتاح المقبرة، فقد مات كارتر بسبب سرطان الغدد اللمفاوية، ومات اللورد كارنارفون الذى كان يمول بعثات كارتر بسبب لدغة بعوضة بعد 4 أشهر و7 أيام من مشاركته فى فتح المقبرة.
يقول عادل ثابت فى مذكراته: كان هوارد كارتر شخصية قوية مليئة بالحيوية، ولكنه كان "نكديًا مع الناس، وكان السائحون أبغض شئ إليه، ومع ذلك فقد كان فى إمكان كارتر أن يكون رجلا فاتنًا ومثيرًا للاهتمام عندما لا يزمجر ويطلق اللعنات على مصلحة آثار الحكومة المصرية، التى كان بينه وبينها عداء طويل.
كان يقول لنا: "إننى أعرف أين دفن الاسكندر الأكبر، ولكننى لن أخبر أحدًا عنه وخاصة مصلحة الآثار، وسوف يموت هذا السر معى"
ويعلق عادل ثابت على تلك الواقعة بقوله: والظاهر أن هذا قد حدث فعلا، فبعد سنوات طويلة توفى هذا العالم الأثرى الممتاز ذو الشهرة العالمية فى هدوء، واعتقد البعض أنه كان هاربًا من لعنة الفراعنة.
كان اكتشاف هوارد كارتر لمقبرة توت عنخ آمون فتحًا علميًا معتبرًا لا يقل فى أهميته بحال عن فك رموز اللغة الهيروغليفية بداية القرن التاسع عشر على يد شامبليون، وهى الخطوة التى أقامت جسرًا من المعرفة مع الحضارة المصرية القديمة بكل تفاصيلها. وكان الحديث عن لعنة الفراعنة قبل فك رموز اللغة الهيروغليفية أمر لا يعدو أكثر من سوء حظ مرتبط بالتعامل مع المومياوات، دون أن يجد ما يسانده. ويرى البعض أنه لا وجود للعنة الفراعنة، ويفسرون ذلك بأن المقابر التى تُفتح ويموت بها ناس تكون مُغلقة لآلاف السنين وقد فسد هواؤها مما يسبب اختناق ووفاة من يدخلها، غير أن فريقًا آخرًا يرى أن الفراعنة كانوا من أقوى سحرة العالم، وربما يكونوا قد دافعوا عن مقابرهم بتسخير الجان.. وهذه كلها روايات وأساطير لم تثبت علميًا.
وتبقى ملاحظة أخيرة على الرواية التى ذكرها عادل ثابت فى مذكراته تتعلق بتاريخ وفاة كارتر، فمن الثابت أن هوارد كارتر توفى عام 1939، بينما الإطار الزمنى لزيارة الملك فاروق للأقصر ومرافقة كارتر للأسرة يدور فى أواخر عام 1941.. فأى التاريخين هو الصحيح؟ وهل فعلا مات كارتر ومعه سر الاسكندر المقدونى؟