تأملات رمضانية (1)
فى إطار قيامها على نشر ذخائر التراث العربى فى السلسلة التى تحمل هذا العنوان، أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة مؤخرًا كتاب الإمام أبى حامد الغزالى «تهافت الفلاسفة»، ولأن الكتاب يتمتع بسمعة غير مواتية فى الأوساط «التنويرية» فى ضوء رؤى الغزالى من الفلسفة وفى ضوء النقد الكبير الذى قام به ابن رشد للكتاب بإصدار آخر يرد عليه تحت عنوان «تهافت التهافت» يبدو أن القائمين على النشر خشوا أن توجه لهم تهمة نشر كتب رجعية، فكانت الاستعانة بكتابة مقدمة مواتية للكتاب تهدم هذه التهمة المحتملة بقلم الدكتور محمود إسماعيل رئيس تحرير السلسلة.
وللأسف فإنه إذا كان المثل يقول إن الخطاب أو الجواب يبدو من عنوانه فإن مضمون المقدمة يبدو صادمًا بشكل قد يدفعك لعدم قراءة الكتاب، أو على الأقل تبنى موقفًا متحفزًا من مؤلفه- الغزالى- الذى هبط به الدكتور إسماعيل فى مقدمته إلى أسفل سافلين رغم أن الغزالى- مهما كان هناك من اختلافات بشأن طبيعة تأثيره يعد أحد أعلام ورموز الفكر الإسلامى الذين قد لا نغالى إذا قلنا إنه أسهم بما قدمه فى تشكيل مسيرة الدين خلال حياته وحتى الآن، فيما يرى صاحب المقدمة أنه فقيه سلطة سخر قلمه لتبرير سياسات حكام طغاة! بل ويصل الأمر بالكاتب إلى حد ترجيح ما يذهب إليه البعض من أن يكون الغزالى مسئولًا عن دخول الفكر الإسلامى فى عصره وما تلاه مرحلة الإنحطاط!
وفى رأيى أن النقد الذى يوجهه الدكتور إسماعيل يصلح أن يكون نموذجًا لتهافت النقد الذى يحاول البعض إلباسه الشكل الأكاديمى ويمثل كبوة من القائم على النشر، حيث إن الكتاب محقق وله مقدماته وليست مقدمة وحيدة تضع القارئ فى سياق موضوع الكتاب وحياة مؤلفه من خلال ما كتبه الدكتور سليمان دنيا أستاذ الفلسفة المساعد بكلية أصول الدين.
فى نقده لما أورده الغزالى من انتقاد لفلاسفة الإسلام وعلى رأسهم الفارابى وإبن سينا- وهى انتقادات وردت نظائر لها فى الفلسفة المسيحية فى العصر الوسيط من قبل فلاسفة لهم وزنهم- يقول إسماعيل إنها انتقادات نقلها عن مؤلفات أعلام المعتزلة والكرامية على الرغم من تحامله عليهم مضيفًا «وهى انتقادات غاية فى الضحالة والسذاجة فضلًا عن التناقض والتخليط بل والتدليس أحيانًا! ويصل الأمر إلى حد اتهام الغزالى بأنه قام بذلك دون وازع من ضمير.
وبرغم أن المقدمة لا تحتل سوى صفحتين فإنك تشعر بأن كاتبها استدعى الغزالى من قبره إلى أحد أسواق الخضار ليمارس معه وصلة من الشجار التى لا تتم إلا فى مثل هذه الأماكن.. فالغزالى يمارس فيما كتبه حسب إسماعيل «انتهازية فاضحة وهو يؤدلج الإسلام لصالح الحكام وكتاباته لم يكن لها من هدف سوى المال والجاه» وكأن الغزالى كان يعمل عند أحد أصحاب الفضائيات أو شركات الأعمال الكبرى!
ولأن الانتقادات من العيار الثقيل التى قد يحاسب عليها أمام ضمير القارئ باعتبار أن الغزالى قد مات وشبع موتًا ولا يملك الرد، فإن إسماعيل يستنطق كلامًا على لسان ابن رشد نشك فى صحته حين يؤكد أن الأخير وصف كتاباته بأنها تعبر عن الجهل وسلاطة اللسان!
بعد هذه «الوصلة» رجعت الى ما كنت كتبته من قبل عن رؤية المفكر محمود إسماعيل لابن خلدون وتقييم البعض لإسهامات الرجل، فلفت نظرى ورود الاتهامات ذاتها «السطو» على أعمال إخون الصفا و«غياب الضابط والضمير».. واستوقفنى ما أشارت إليه دراسة نشرت فى كتاب «قراءات فى الفكر العربي» تتناول نقد محمود إسماعيل لابن خلدون يشير صاحبها الدكتور فتحى أبوالعينين إلى أن الرجل صاحب «خطاب قمعي» وأنه يلجأ الى طريقة غير مقبولة وغير منطقية وهى الحكم على جدارة وأهمية مفكر معين بالقياس على السلوك الشخصى لصاحب هذا الفكر وأخلاقياته.
يتبدى لك الفارق إذا ما قرأت ما كتبه الدكتور سليمان دنيا فى ثنايا مقدماته للكتاب من أن مسلك الغزالى فى كتابه قائم فى معظمه على التشكيك والنقد، موضحًا أن التشكيك والنقد عمل علمى له قيمته مستعينًا بمثال أرسطو فى نقده لنظرية المثل عند أفلاطون وأن ذلك لم يكن هدمًا للفلسفة أو عملًا سلبيًا وإنما خطوة تمهيدية لا بد منها للوصول إلى نظريته الجديدة التى ملأ بها فراغ النظرية التى استبعدها. بل يشير دنيا إلى أن الغزالى احتاط وكان أمينًا فى تصوير أفكار خصومه التى يعرضها توطئة للرد عليها. وأنه إذا كان قد قام فى ذلك بحملة على العقل وقدرته على الوصول إلى الحقائق الإلهية أو ما يصفه دنيا بتقييد سلطة العقل، فإنه سلك هذا الطريق بواسطة اتخاذ العقل ذاته مطية للوصول إلى هذه الغاية.
ليس فى الأمر دفاع عن طرف والهجوم على آخر، وليس محاولة لاستدعاء معارك قديمة قد لا يكون هذا مجالها أو حتى أوانها، ولكن الأمر يتعلق بمنهج تفكير وآلية تعامل مع التراث الذى يمثل جزءًا من تكويننا. ولا نملك سوى أن نردد ما أشار أليه البعض فى تناوله لقضية التراث من أنه بالرغم من أن نقده يعد أمرًا واجبًا وضروريا فإنه ينبغى فى الوقت نفسه عدم تدميره بدون وجه حق وإلا أصبح الأمر تدميرًا للذات وليس نقدًا لها.
[email protected] yahoo com
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض