رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

فى كل ليلة من ليالى العزل تكسر أغلال الصمت  بخروج الإيطاليين عن بكرة أبيهم إلى شرفات المنازل المزينة بلوحات قوس قزح التى يرسمها الأطفال عند انتهاء الدراسة مرفقة بشعار «كل شيء سيكون على ما يرام» يغنون بحماس وعاطفة وطنية جياشة الأغنية الخالدة فى ضمير الإيطاليين «البيلا تشاو» مثل أيام مقاومة فاشية مولوسينى ويستذكر  الشيوخ مع نغمتها أهوال الحرب العالمية الثانية التى تسببت فى الحاق الدمار بالبلاد.

ولأن فاشية كورونا أشد وطأة فقد أجبرت الامبراطورية العتيقة التزام الحجر الصحى الكامل فتم إغلاق كل شىء باستثناء الصيدليات ومتاجر الأغذية لأن مقاطعة لومبارديا فى الشمال هى بؤرة تفشى الفيروس فى أوروبا  وللأسف سجلت إيطاليا أكبر حصيلة للوفيات عالميًا، خاصة من المسنين إذا تحتل المركز الثانى بعد اليابان فى ارتفاع نسبة الشيخوخة وبالرغم من كآبة الجو العام الذى يكتنفه الغموض والحيرة ومع قسوة طول الانتظار لم ينتبهم الملل قط، بل حافظت الأمة الإيطالية على رباطة الجأش وتشبثت بمشاعر الأمل والتضامن وحب الحياة لأنهم يؤمنون بالحكمة الرومانية القديمة التى تقول مادام هناك أمل هناك حياة لذا أصبح لدى المجتمع متسع من الوقت لإعادة اكتشاف كنوز عصر النهضة من الفنانين والرسامين والطهاة والأدباء وخطفت الأنظار رواية المخطوبين لمانزونى والتى تعد ثانى أهم رواية فى الأدب الإيطالى بعد الكوميديا الإلهية والتى تكاد تتطابق أحداثها مع الواقع الحالى بالرغم مرور أكثر من قرنين على صدورها.

تروى قصة حب لوسيا ورينزو وقت تفشى وباء الكوليرا فى ميلانو وصفها فيردى بأنها هدية للإنسانية فهى تناقش نفاق السياسيين ورجال الدين. شجاعة الفقراء احتلال الاسبان لومبارديا، البحث اليائس عما يسمى المريض صفر، وازدراء الخبراء والباحثين، فضلاً عن الشائعات، وانتشار العلاجات الوهمية، والانكباب على شراء السلع الأساسية، لقد غرست الرواية لدى الجيل الجديد حس الإيثار وواجب مساعدة الغير فقاموا من خلال تطبيق الجار بمساعدة جيرانهم ممن لا يستطعون الخروج من المنزل بجلب الطعام والدواء وتسديد الفواتير.   

 لقد أطلق العزل الإجبارى العنان لإبداع الإيطاليين مثل إقامة الحفلات وتناول العشاء واحتساء المشروبات مع الأصدقاء عبر الإنترنت. ولطالما استطاع الإيطاليون تحويل لحظات الفوضى واليأس إلى لحظات تفاؤل وأمل تلهم الآخرين فقد ابتكروا تقليدًا جميلًا بتصفيق موحد فى تمام الساعة 12 ظهرًا لتحية جهود الأطقم الطبية التى تعمل بلا كلل لمحاصرة الفيروس وانتقل هذا التكريم الى إسبانيا والعالم. لم يتوقف الإيطاليون كثيرًا أمام إخفاق حكومة جوزيبى كونتى فى معالجة الأزمة وإنما الأهم كان التوحد فى مواجهة المحنة لأن الشعوب الواعية تعرف فقه الاولويات جيدًا.

 لم تكن هذة الروح الملهمة مقصورة على الإيطاليين فقط فقد استطاع الفلاح الفصيح سامح عياد ابن المنوفية أن يلهمهم عندما كتب لافتة صغيرة الحجم كبيرة المعنى «قبل 10 أعوام رحبتم بى والآن أريد أن أشكركم، كل شيء سيكون على مايرام، إذا احتجتم خذوا مجانًا من الخضار والفاكهة التى تجدونها فوق هذه المنضدة، لقد أصبح سامح حديث الإعلام وحبيب الإيطاليين وبسبب هذا التصرف النبيل ارتفعت هامة المهاجرين المنبوذين لتكون اطول من 12 مسلة فرعونية منتشرة فى ميادين توسكانا.

وأنت أيضا تستطيع أن تحدث الفارق فى محيطك لاسيما فى مثل هذه الظروف العصيبة على الجميع. هنالك نفوس بائسة بحاجة ماسة الى الكلام اللين وجبر الخواطر والإيثار، فالبعض فقد احبة والبعض يئن تحت وطاة الفقر والبعض بقتله الخوف من المجهول، أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لتسمو إنسانيتنا فوق الخلافات السياسية والمذهبية ونتحلى قليلا بالمسئولية بالتوقف ولو مؤقتًا عن الاستظراف والألش وعدم نشر الشائعات والبوستات المحبطة واحترام خصوصيات الآخرين.

  ألا تعلم أن الطاقة الإيجابية التى تمنحها للآخرين هى بمثابة الايمان بالله واليوم الآخر. فقد قال النبى الكريم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.