ما بين التغيرات الجذرية فى قوانين عالم الاقتصاد ، والآثار السياسية الناتجة من انهيار الديمقراطيات الليبرالية الغربية، يمكننا الآن رؤية عالم ما بعد كوفيد-19 ، فثمة تغيرات جذرية سيكشف عنها الفيروس المحمل إلينا برسائل عدة لعل وعسى نفهم بعضها، وبالطبع سيكون لعلماء الاجتماع والنفس دراسات عدة بعد ذلك لمعرفة انعدام رباطة الجأش لدى الشعوب الغربية والذى يعد أمرًا مثيرًا للدهشة مقارنةً بالصينيين. مع الأخذ فى الاعتبار أن انهيار أسعار النفط وتدمير صناعة النفط الصخرى الأمريكى.
وإذا اتجهنا إلى الاقتصاد فثمة إجماع على حدوث ركود اقتصادى عالمى مؤقت نتيجةً لتفشى «كوفيد-19»، على الرغم من محاولة الحكومات والبنوك المركزية الحد من تأثيراته. ومع ذلك فإن التعافى من الركود الناجم عن «كوفيد-19» سيؤدى إلى عهد جديد تتغير فيه طريقة حياتنا وممارسة أعمالنا واستثماراتنا جذريًا. وهذا ما يفسر إعلان الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى، خفض آخر لسعر الفائدة، وهو إجراء الطوارئ الثانى فى هذا الشهر له، وهو ما تبعته بعض الدول ومنها مصر. وخاصة أن الركود الناجم عن الفيروس آتٍ لا محالة نتيجة تأثر العرض والطلب العالميين. ومتوقع ركود عميق إلا أنه قصير، وهو تباطؤ مؤقت لأنه ناتج عن صدمة غير متوقعة تمامًا اجتاحت العالم، وليس عن اختلالات ومشكلات عميقة فى الاقتصاد. وكل ركود ينتج عالمًا جديدًا. ومن المرجح أن يُحدث ركود «كوفيد-19» تحولًا أساسيًا لطريقة عيشنا وعملنا واستثماراتنا.
وفى الحقيقة إن انتشار الفيروس سيسرع بما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة، المعتمدة على التقنيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعى والحوسبة الفائقة المتنقلة. وستظهر صناعات جديدة، مع الانقسام بين رابحٍ وخاسر، ما يعنى فقدان الوظائف فى بعض القطاعات، وفرص عمل ضخمة غير مسبوقة فى قطاعات أخرى. وسيسلط الإبعاد الاجتماعى القسرى الضوء على كيفية تفاعل العائلات والأصدقاء والزملاء، والبقاء على اتصال وعمل فى آن واحد، وكيفية استمرار عمل الشركات بكفاءة، وكيفية إدارة المستثمرين للأصول من خلال بنى تحتية رقمية متقدمة، وبالتالى على المستثمرين مراجعة محافظهم الاستثمارية للتخفيف من المخاطر والاستفادة من الفرص لبناء ثرواتهم وحمايتها فى ظل تكيف العالم مع عصر جديد.
وعلى الجانب السياسى، ثمة نقاط ضعف فى البنية الديمقراطيات الليبرالية الغربية، وهذا ما أشار اليه بوضوح الكاتب الفرنسى «تييرى ميسان» وخاصة أن الغرب خضع عبر عدة عصور لثقافتين مختلفتين جذرياً، فهناك «أوروبا القديمة» حيث نشأت الدول لخدمة المصلحة، ومن جهة أخرى الأنجلوسكسون الذين عارضوا وجود شىء اسمه المصلحة العامة، ويتبلور هذا الاختلاف بشكل أوضح حول مفهوم الحرية، ففى أوروبا القديمة تتحدد الحرية الفردية بما يخدم المصلحة العامة، وتحدد هذه الحدود بموجب القانون، أما فى الولايات المتحدة، فلا وجود لهذه المحددات، ونتيجة لذلك، فإن مكافحة أى وباء عام، تقتضى إقامة الحجر الصحى، وإلزام الناس بالبقاء فى بيوتهم، وبالطبع ثقافة الأوروبيين تسمح بتطبيق هذه الإجراءات، ولكن هذا غير ممكن لدى الشعب الأمريكى. والرئيس دونالد ترامب لا يملك السلطة الكافية لفرضه، لأنها شأن حصرى بكل ولاية. وحاكموا الولايات لا يملكون بدورهم أى سلطة تخولهم التعدى على حريات مواطنيهم، تحت أى ظرف كان.
وإذا كان من الممكن فى بعض الحالات فرض حجر صحى على الأجانب، إلا أنه غير ممكن فى أى حال فرضه على المواطنين الأمريكيين، ومن المستحيل إلزام الناس البقاء فى منازلهم. لكن الرئيس دونالد ترامب سوف يضطر فى نهاية المطاف، إلى اللجوء إعلان الطوارئ مستخدما قانون «ستافورد» وهو القانون الفيدرالى الذى يحكم جهود الإغاثة فى حالات الكوارث، (وهو تابع للوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA) المسيطرة على أكثر من 40 مليار دولار خصصهم الكونجرس للإغاثة، ويمكن استخدام هذا التمويل فى بناء مرافق طبية أو نقل مرضى أو عمل تدابير أخرى من شأنها إنقاذ المواطنين.).
وللأسف أن الامبريالية العالمية تعمل لصالحها لذلك نجد أن وسائل الإعلام الدولية لم تشر للدور الايجابى لعنصر إنترفيرون ألفا 2 ب (IFNrec) فى مكافحة المرض. لكنها بالمقابل تحدثت عن استخدام فوسفات الكلوروكين المستخدم عادة ضد الملاريا، وخاصة أن الصين ستبدأ أولى تجاربها على البشر بهذا الخصوص فى شهر أبريل القادم بعد نجاح مختبر معهد سانت بطرسبرج للقاحات والمصول، بانتاج خمسة نماذج أولية للقاحات، لذلك الصين هى التى أحكمت سيطرتها على الوباء وانتهت منه بزمن قياسى، على حين بلغ معدل الوفيات حتى الآن أعلى بست مرات فى إيطاليا.
والواقع الذى نحن فيه الآن ربما يشير إلى أنه حان الوقت ليعترف البعض بصعود قوى جديدة لم تهب الكارثة بينما تهاوت أخرى إلى حد التصريحات المرعبة لرئيس وزراء بريطانيا مؤكدا على حالة الهلع الجماعى التى انتابتهم، ليعطوا انطباعاً عن حضارة بدأت تدرك فقدان سيطرتها على العالم، ومع ذلك تصر على رفض التخلى عن مكانتها للقوى الجديدة الصاعدة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض