أوراق مسافرة
«الأناماليزم» هذا اسم فيروس أقترحه، وترجمة شفرته كلمتى «وأنا مالى».. ويتبعها كلمات أخرى تلحق بها وهى.. «خليها تولع» أو.. «خليها تخرب»، أو «هم عايزينها كده خربانة أنا يعنى اللى هاصلحها»، أو «طول عمرها مايلة انا اللى هاعدلها» وغيرها من الجمل التى يطلقها عمال.. موظفون.. معلمون.. أطباء.. ولن «أكر» بالطبع كل المهن والوظائف التى انتشر فى ضمائرها فيرس «وانا مالى» نعم الضمائر خربت، ولم يعد «إلا قليلًا» يؤدون عملهم بجد وبإخلاص إدراكًا بأن الله يراهم، وتحليلًا لأجورهم مهما تدنت، والأغلبية المفيرسة تسير نحو الإهمال، التقاعس، التجاهل، الطناش.. لتزيد من تدمير وخراب المؤسسات والقطاع العام، ولتعطل المراكب السائرة، وتعقد أمور ومصالح المواطنين، وتهدر المال العام.. أين هؤلاء «المفيرسين» من المواطنين فى بلدان كثيرة تقدمت وبنت نفسها بأيدى أبنائها من فراغ ودمار.
مهزومة، مكلومة فى الملايين من أبنائها الذين قتلوا، فقيرة إلى حد المجاعة يمزقها انهيار اقتصادى فادح، بنيتها التحتية مدمرة تمامًا، وضعها العسكرى المزرى لا يقل عن وضعها السياسى والاقتصادى والاجتماعى، هكذا خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية، لا طاقة ولا مواد خام تذكر، رغم ذلك، نجح الألمان فى بناء دولتهم، لتصبح فى وقت قياسى قوة فاعلة داخليًا وعلى المستوى الدولى، رغم محاربة معظم دول العالم لها سواء أوروبا أو أمريكا لها حربًا باردة، لتحجيم قدراتها بعد أن انتهت الحرب العسكرية، نعم نجح الألمان فى بناء دولتهم التى كانت مدمرة عن بكرة أبيها.. فكيف نهضت ألمانيا بعد ذلك من جديد وهى دولة فقيرة لا يوجد بها نفط أو غاز أو أى موارد طبيعية، وكيف لم تصل مصر إلى المستوى الألمانى، ونحن الذين لم ندخل حربًا «ولله الحمد» بشراسة وخطورة ما خاضته ألمانيا، وأين نحن الآن مما وصلت إليه ألمانيا بسواعد أبنائها المخلصين.
دعونى أقارن بين المواطن الألمانى ونظيره المصرى، الألمانى ذاق مرارة الحرب، الألمانى الذى نجا من الموت فى ساحات الحرب، كان يخشى أن يموت جوعًا أمام دولة منهارة، ويبدو ان قسوة الواقع هى التى انعكست بقوة على إعادة بناء وتشكيل شخصية المواطن الألمانى، والذى كان يسير أصلًا وراء حلم هتلر فى سيادة العالم، المواطن الألمانى أدرك بعد مرارة الحرب، أن وطنه هو ملاذه الأوحد، ولا وطن آخر له، أدرك أن وطنه لن يبنيه إلا سواعد أبنائه بجد وإخلاص، إن كل لبنة يبنيها ثمنها دماء أهدرت، وأرواح أزهقت، وأحلام ضاعت، من هنا فما يبنيه غالٍ جدًا، ولن يسمح لشيء أيًا كان أن يقترب مما بناه ليهدمه، أو حتى يهدده مجددًا بالخراب والدمار أو التراجع خطوة للوراء.
لذا احتمل الشعب الألمانى المزيد من الفقر والجهد والصبر بعد انتهاء الحرب، ليعيد بناء ألمانيا، وأصبح كل مواطن هو يد الدولة، ويد الشعب الحالم بوطن قوى متكامل، فتولى كل منهم بناء بيته، والإسهام فى إعادة بناء ما تهدم من أماكن الخدمات والمرافق فى الحى بيديه، وعمل الجميع تحت سياط التقشف، فيما الدولة تحاول الاستعانة بالمعونات الخارجية وإحياء كل دعائم الاقتصاد بقوة وذكاء، ولم يتم إعفاء حتى المعاقين وذوى الاحتياجات الخاصة من الانخراط فى العمل والإنتاج فتم الدفع بهم فى المصانع للإسهام فى الإنتاج، ودفع عجلة لاقتصاد.
ولأنه بنى دولته بنفسه بعد خراب، ولأنه تنسم أنفاس الاستقرار والأمن بعد زعزعة الحرب والهزيمة، فهو يدرك قيمة ما بناه وضحى لأجله، ويعمل على حماية المكتسبات التى حققها بحهده وعرقه، وليس لديه أى استعداد لأن يقترب أحد أو هو نفسه بالمساس بهد المكتسبات،
المواطن الألمانى صارم جدًا فى عمله، وفى إدارة المؤسسات، وجهه لا يكاد يفتر عن ابتسامة وهو يقوم بعمله وتقديم الخدمات للجمهور، لأنه منشغل بعمق فى أداء عمله، يتحرك فى دقة متناهية لا تقبل الخطأ أو الاستثناء، وكما قال الكاتب والمؤرخ الاسكتلندى «توماس كارليل»: جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، ولكن الأجمل أن يحيى من أجل هذا الوطن ويعمل على إحيائه.
.. وللحديث بقية