على فكرة
الصدفة وحدها هى التى قادتنى إلى هذه المفاجأة السارة. دخلت قاعة جمال عبدالناصر بحزب التجمع، للمشاركة فى ختام الدورة العاشرة لمهرجان «يوسف شاهين» السنوى للأفلام التسجيلية والروائية القصيرة، فوجدت القاعة مكتظة من فرط الزحام الذى اختلط فيه الحضور بين الشباب والكهول ومتوسطى العمر من الرجال والنساء من مختلف الفئات الاجتماعية، وعثرت على مقعد بصعوبة، وما كادت الأنوار تنطفئ حتى غمرتنى تلك المفاجأة المبهجة.
سائق سيارة نصف نقل «طارق عبد العزيز» يقودها وهو يغنى منسجما مع المطربة: متقولش ايه اديتنا مصر، ونقول حندى إيه لمصر، لكن انسجامه لا يتواصل، بعد أن قطع صوت المذيعة الأغنية لتعلن، أن الحادث الإرهابى الذى وقع قبل دقائق، قد أسفر عن مقتل نحو ثلاثين مواطنا. يتذمر السائق من تلك الأعمال الخسيسة التى تسهم فى وقف حاله. وما يكاد يهم بتغيير مساره بحثا عن طريق سالك، حتى يستوقفه شاب «حسن عيد» يحمل شابا جريحا تغمره الدماء من جراء الحادث الإرهابى وهو يلهث فى محاولة لانقاذه، ويطلب من السائق أن يسرع بالذهاب به فورا للمستشفى .
تحول المستشفى إلى خلية نحل وهو يستقبل مئات الجرحى والمصابين. وفى الممر الذى يقود إلى غرفة العمليات ينطق الجريح للمرة الأولى والأخيرة، راجيا الشاب الذى حمله للستشفى أن يصلوا عليه الفجر فى القاهرة.
بعد أن يفارق الجريح الحياة، يمهل الطبيب الشاب مدة نصف ساعة لكى يحضر صندوق نقل الموتى لاستلام جثة المتوفى، تجنبا للاجراءات الادراية المعقدة. يذهب الشاب بسرعة إلى كنيسة مجاورة، ويشرح للقس ملابسات الحادث فيتفهمها، ويمنحه صندوقا لنقل الموتى، ينزع عنه الشاب الصلبان الدالة على أنه صندوق موتى مسيحى، فيغضب حارس الكنيسة، ويهم باسترداد الصندوق، لكن القس يمنعه، ويترك الشاب يذهب به، بطيب خاطر.
وبرغم أن المسافة بيى المستشفى وبين القاهرة تستغرق نحو سبع ساعات، أصر الشاب أن يجلس فى السيارة بجوار الجثمان، وأن يذهب به مع السائق لينفذ له وصيته، بصلاة الفجر عليه فى القاهرة. وفى صحن الجامع يكتشف السائق أن الشاب مسيحى، وأنه حمل على أكتافه مواطنا بات شهيدا، لم يكن يعرف ديانته حتى طلب وصيته.
وفى مشهد مفعم بالبراعة والعذوبة والإنسانية يقف الشاب فى حوش الجامع يدعو بالرحمة للمواطن الشهيد. فالرب واحد، يتعبد إليه الإنسان كل بطريقته، ولا تفرق بينهم سماحة الخالق ،الذى ينطقون باسمه بكل لغة وبكل دين وبكل سمت، لا يمعن فى التفريق بينهم سوى قتلة وإرهابيين ومجرمين وناهبى الأوطان والشعوب.
تلك هى قصة الفيلم التسجيلى «صندوق خشب» الذى لا تتجاوز مدته ربع ساعة لكاتبه ومخرجه الفنان تونى نبيه، الذى حفل بدفقة هائلة من العذوبة والرقة تتملكان شغاف القلب لكى تبرز معالم قصة حقيقية، ولتقديم موضوع مفعم بالحياة والمشاعر الدافئة الشفافة التى تقدس تلك الحياة بحبها، فهى نعمة من الخالق، منحها للبشر ليهنأوا بها، ويحافظوا عليها ويصدوا عنها النفوس المعتمة وعاشقى الظلمة والخراب، لتغدو رسالة الفيلم عالمية الهدف، وأبعد مدى من التغنى فحسب بقضية الوحدة الوطنية.
وتونى نبيه فنان من طراز رفيع باسم الوجه دائما، لأنه كمن هم مثله، متفائل بمستقبل هذا الوطن وبدور الفن والثقافة فى وضع الركائز لبناء ذلك المستقبل، لذلك لا يتوقف عن التنقيب عن مواهب المبدعين فى كافة المجالات، ليفتح لهم مجالات التدريب والتعلم والعمل، كما سبق أن فعل معه ذلك، جيل المبدعين الكبار السابقين.
وفى هذه الدورة من المهرجان قدم تونى للحياة الفنية والسينمائية أصواتا بديعة، ونحو 36 من المخرجين وكتاب وكاتبات السيناريو الجدد، لكى يؤكد بفنه الإبداعى وسلوكه الإنسانى، أن من «يحبون السيما» يحبون الحياة، وسيمضون فى فعل ذلك محبة فى الله والانسان والوطن. شكرا تونى نبيه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض