سلالم
لا تستغرب إن سألت مستثمرا أجنبيا عن أسوأ ما يواجهه في مصر من مشكلات، فأجابك بكلمة واحدة: بُطء التقاضي. ولا تندهش إن كررت السؤال على مستثمر محلي فحصلت على الإجابة ذاتها. ذلك لأن العدالة البطيئة ظلم، وأصحاب رؤوس الأموال عموما يعتبرون ـ وهم محقون بالطبع ـ أن تأخير استرداد الحقوق يتساوى تماما مع ضياعها.
لم يعُد عجيبا أن تسمع من أحدهم حكاية عن نزاع قضائي على مبلغ قد لا يزيد على مليون جنيه ستمر لنحو خمس أو سبع سنوات وربما أطول من ذلك في بعض الأحيان، وغالبا ما يُنفق المتنازع أضعافًا مضاعفة لذلك المبلغ على إجراءات التقاضي ورسوم القانونيين. وفي كثير من الأحيان يُفرط البعض في حقوق مالية لهم لعلمهم أنهم سينفقون أكثر من قيمتها على استحقاقها.
وتلك المشكلة يعلمها الجميع، وتعرف تفاصيلها الدولة بأجهزتها وهيئاتها ومختلف كياناتها، لكنهم يعرفون يقينا أن حلها يستلزم جهدا كبيرا ومشروعا قوميا شاملا يُركز في البداية على مراجعة البيئة التشريعية كاملة وإعادة طرحها بشكل مبسط، سلس، واضح، قبل أن يتم تخصيص دوائر بعينها للقضايا الخاصة بالمستثمرين.
إن معلومات بسيطة طرحها أمامي الدكتور طارق الحصري الخبير التنموي، ومستشار كثير من الوزارات المصرية في إحدى محاضراته التدريبية تكشف كم التشوهات التشريعية الحاكمة لمصر عموما، ولبيئة الاستثمار بشكل خاص.
وحسبي أن أستعير تلك المعلومات لأدلل على أزمة الأزمات في الاستثمار،وهي التقاضي، لأذكر أن مصر فيها أكثر من 53 ألف تشريع، بين قوانين، وقرارات جمهورية، وقرارات رئيس مجلس وزراء وقرارات وزراء وقرارات رؤساء هيئات، وهو رقم ضخم جدا وغير موجود في أي من دول العالم المتقدم.
وتقول المعلومات أيضا إن هناك تشريعات قديمة سابقة على الجمهورية وسابقة على الحداثة حتى أن بعضها يرجع إلى سنة 1880 ومازال معمولا بها. وبالطبع فإن هناك قرارات عديدة صدرت خلال الفترة العثمانية ، وقرارات صدرت خلال الفترة الملكية.
وتقول إن هناك تداخلًا وتناقضًا وتضاربًا بين كثير من التشريعات والسبب في ذلك أن هناك تشريعات صدرت ولم يعرف بها الجهاز الإداري للدولة، وهناك قرارات لم تُنشر في الجريدة الرسمية، وهناك قرارات فقدت أصولها.
إن هناك جهات وهيئات عديدة محكومة بأكثر من تشريع، وهناك مسئولون في أماكن مهمة ليس لديهم علم شامل بالتشريعات الحاكمة لأعمالهم، وهو في تصوري ليس تقصيرا منهم لكن لاستحالة الإلمام بهذا الكم المفزع من التشريعات.
وفي اعتقادي فإن مراجعة وتوثيق وتنقية تلك التشريعات واختصارها وتحديثها يحتاج جهدًا وإمكانيات ومخصصات ضخمة، وبمعنى أدق يحتاج مشروعا قوميا. وهو وحده ليس كافيا لكسر سمة تباطؤ التقاضي، لكنه خطوة أولى مهمة وأساسية سينتج عنها إيجابيات عديدة تُحد من البيروقراطية والروتين.
بالطبع فإن إيجاد محاكم خاصة بالاستثمار ضرورة، في ظل مشكلات عديدة يقول المستثمرون إنهم يواجهونها بسبب التقاضي، وهناك تجارب لدول رائدة في هذا الشأن، يمكن الاستفادة منها في مثل هذا المشروع وأرى أن مصر يمكنها أن تُحدث فارقا كبيرا في بيئة الاستثمار إن هي أعادت رسم نظام التقاضي.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض