أوراق مسافرة
هناك.. فى دول تطحنها المادة والمدنية، أى شاب من غير ما يقعد يحوش سنين طويلة تقترب به لسن المعاش، ومن غير ما يجرى يستلف من طوب الأرض عشان يشترى شقة تمليك أو يضغط على «اللى خلفوه» عشان يدبروله الشقة والعفشة وأحيانًا الشبكة والمهر، ومن غير ما يفضل يشتغل شغلتين وتلاتة عشان يقدر يصرف على حفل جوازه، ومن غير ما يفضل عشر سنين بعد جوازه يسدد آلافات كأقساط وديون تراكمت عليه بسبب مصاريف زواجه، من غير ده كله، عندما يفكر الشاب الأوروبى ولا الأمريكى فى الزواج، سيتزوج بكل بساطة، ولا يطلع على متفلسف ويقول لى «هم بيعيشوا مع بعض عادى قبل الجواز وممكن يخلف منها، فليه يكلف نفسه ويتجوزها أصلًا طالما المسألة مفتوحه وسايحة»، أرد على حضرتك، اه الحياة عندهم سايحة ومفتوحة على البحرى، بس الولد لما يرتاح للبنت وهى كمان، بيقرروا يتوجوا علاقتهم وحبهم بزواج رسمى، بس مش دى قضيتى.. قضيتى ما يحيط بالزواج نفسه من تكاليف ومصاريف.
يا سادة عندما يقرر الشاب الغربى والفتاة الزواج، يبدآن بأبسط الإمكانيات، ممكن يقيموا مع أسرتها أو أسرته، إذا ما توافر هذا دون منغصات، وجميل هناك ان الحمى والحماة لا يتدخلان أبدًا فى أمورهما، وإذا لم يتوافر هذا، يتم الزواج فى شقة صغيرة جدًا يتم استئجارها قد تكون غرفة وصالة وحمام، ويسارع الأهل والأقارب بفرش الشقة، ويتم تقسيم الأدوار، من يقدم ماذا..؟ وفى غضون أيام تكون شقة الزوجية مفروشة على نفقة الأقارب والأصدقاء كهدايا، وحتى تكلفة حفل الزفاف البسيط الذى لا يتم أبدا فى فندق خمس نجوم ولا قاعة فاخرة بالآلاف، حيث يتم الحفل فى مطعم أو كوفى شوب صغير، ويتناول المدعوون القلة من الأقارب والأصدقاء مشروبًا وقطعة حلوى ولو بسكويته، ليس من ثقافتهم أن يتكلف العروسان ويستدينوا حتى تأكل المعازيم وتشرب وتشبع، ليس من ثقافتهم اهتمام العروسين بكلام الناس حول الشبكة التى قد لا تزيد على خاتم الزواج، ولا الفستان المتواضع الذى ترتديه العروس حتى لو كان فستان عادى جدا، ولا البنطلون الجينز الذى يرتديه العريس عوضا عن البدلة أم كام ألف، والعروسان يتفقان على عدم الإنجاب إلا بعد أن يستمتعا بحياتهما، وتتحسن أحوالهما المالية لاستقبال طفل.
وهكذا يكون زواجهما سهلًا وميسرًا وبأقل التكاليف، ماذا لو نقلنا تلك الثقافة الرائعة لتيسير زواج الشباب لدينا، حفاظًا عليهم من الانحراف ومن الزيجات السرية اللا شرعية، والتى ينجم عنها كوارث آلاف الأطفال بلا آباء وأمهات حقيقيين، ألا يكفى أن نعلم أن عنوسة «الذكور» فى مصر أعلى من «الإناث»، وأن هناك 429.9 ألف رجل من عمر 40 عامًا إلى ما فوق لم يتزوجوا، مقابل 330.9 فتاة، وبديهى أن العنوسة فى الحضر أعلى منها فى الريف للجنسين، ففى الريف تكاليف الزواج أقل، فى الحضر «يتفشخر» الآباء والأمهات بالمبالغة فى المهور والشبكة والأثاث وقاعة الفرح وعدد المدعويين، حتى يطفش العريس وتعنس البنت، ارتفاع تكاليف الزواج والمهور والمطالبات غير المنطقية لبعض الأسر، دعا الشباب إلى إطلاق حملة باسم «خليها تعنس»، لمقاطعة الزواج، فيما ثارت كرامة العانسات واطلقن حملة مضادة تحت اسم «ربنا نجدها نوسة» أى ربنا نجد العروسة نوسه من الزواج، وهو بالطبع كلام فاضى وضد الطبيعة والشرائع والأديان، ارتفاع سن الزواج بسبب المغالاة فى النفقات، أدى إلى تزايد الانحراف، وإلى العلاقات السرية المحرمة، فالاحتياج الجنسى غريزة طبيعية لا يمكن إنكارها، فهى فطرة الله بكل المخلوقات، ولكن جعلها فى الإنسان منظمة وتسير وفقًا لأطر اجتماعية تحفظ للبنات والشباب كرامتهم وأجسادهم.
ولماذا لا يتولى رجالات وسيدات المال والأعمال عملًا ما يشبه جمعيات بصورة شهرية فى المناطق والأحياء التى يقيمون بها أو القريبة منهم، لتزويج كل من وصل لسن الزواج، ومساعدتهم فى تكاليف الزواج تحصينًا لهم، وحماية للمجتمع من الانحرافات، على غرار ما يتم فى الجمعيات التى ترعى اليتامى، من مساعدة الأيتام على الزواج وتكاليفه، وعمل حفلات زفاف جماعية،
.. وللحديث بقية.