رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

بات جريجورى راسبوتين الداعية الروسى الشهير الذى مارس الدجل والنهب والفساد باسم الدين وقتل سنة 1916، نموذجاً حياً للمتاجرين بالدين طلباً لجاه أو مال أو نفوذ، وكم منهم فى بلادى.

راسبوتين مازال حياً. يُنصب نفسه قاضياً وجلاداً ويفتش الضمائر ويمتحن أصحاب الرأي. يتمدد راسبوتين فى أروقة المجتمع المصرى، نموذجاً قبيحاً لرجل يقدم نفسه كوسيط لله بين خلقه، يمتلك اليقين المطلق ويطارد كل صاحب رأى أو فكر غير خاضع لسلطانه.

راسبوتين ما زال حياً، رغم سقوط الإخوان، وافتضاح مشروعاتهم السطحية الساذجة لبيع الوطن مقابل الخلافة، والارتداد فكراً ومنهجاً وأداء، ورغم خطاب الدولة المكرر بضرورة تجديد الفكر الديني، وإعلاء قيم التسامح وقبول الآخر.

راسبوتين ما زال حياً. لا ينزوي فى المسجد كما يعتقد البعض، بل هو موجود فى كل مكان. فى الجامعات والمدارس والهيئات الحكومية والشركات الخاصة والبنوك والصحف والمحاكم، وأبرز دليل على ذلك ما فعله محامى محتسب يسمى نفسه محامى الشعب، فى الأسبوع الماضى عندما تقدم ببلاغ إلى النائب العام يتهم فيه الدكتور خالد منتصر بازدراء الأديان.

خالد منتصر؟.. لماذا؟.. لأنه كتب ناقداً أفكار وآراء الشيخ الشعراوى رحمه الله واصفا إياها بالرجعية ومعاداة العلم.

تخيلوا فى البلد الذى احتفل منذ أيام بمرور 120 عاماً على ميلاد طه حسين يتم التشهير بكاتب وتعريضه للقتل من مهاويس الدين لأنه فند آراء الشعراوى!

تصوروا فى الألفية الثالثة التى تنتفض بلدان العالم فيها علماً وبحثاً وتطويراً للتكنولوجيا يوجد لدينا مَن يشغلون وقتهم وأوقات الناس بجرجرة صاحب قلم إلى المحكمة لامتحان دينه والتفتيش فى عقله.

راسبوتين ما زال حياً. يرتدى الآن ثياب رجل القانون، وبدلاً من أن يدافع عن مظلوم أو يسعى لاستعادة حق مسلوب، يمارس الإرهاب علناً تجاه كاتب ليس لديه سلاح سوى الكلمة.

هل يعى المحامى المحتسب أن اتهامه للكاتب بازدراء الدين يحمل تحريضاً لمهاويس الجهاد الإسلامى على قتله؟.. هل يرتاح ضميره عندما يطلق أحد الجهلاء رصاصة على الرجل وهو يحسب أنه يحسن صنعا؟.. ألم يفكر إنسانياً فى ذلك؟

راسبوتين ما زال حياً، فمواد التشريع المصرى ما زالت رغم المعركة مع الإرهاب تسمح باستمرار تشريعات الحسبة الدينية لكل عابر طريق للتفتيش فى ضمائر الناس، والتحريض على قتلهم بمجرد اتهامهم بازدراء الدين.

إننى شخصياً أحب الشيخ الشعراوى كداعية ومفسر للقرآن. يعجبنى الرجل فى بساطته وبلاغته وتعبيراته الآسرة، لكننى أكره ترميزه أو تقديسه أو التسليم بكل ما يقول أو يرى، وأقف فى الضفة الأخرى لأى شخص يعتبر انتقاده رجزاً من عمل الشيطان أو مروقاً من الدين. ذلك بأن الرجل بشر كالبشر، يصيب ويُخطئ، يعلو ويهبط، كلامه ظنى، يعبر عن رؤيته وفهمه للدين، لكنه ليس متحدثاً باسمه ولا مسئولاً عنه.

تضامنى مع خالد منتصر لا يحتاج لكلمات، فمشروع الرجل إصلاحى حضارى ينتصر للعقل ويرفض التطرف ويبشر بالعلم، لكن دهشتى وخوفى وقلقى من تمدد وتبجح وتطاول راسبوتينات مصر لا حدود له.

والله دوماً أعلى وأعلم.

[email protected]