مسافة السكة
بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، كرمت المخابرات الأمريكية عميلها الروسى وكان يشغل منصب وزير الخدمة المدنية فى موسكو، سأله ضابط فى المخابرات الروسية: أنا كنت مسئولًا عن مراقبتك لم أجد لك علاقة مع المخابرات الأمريكية، ولا تواصل، ولا مراسلة، فكيف خدمتهم؟! قال: كنت أعين كل خريج فى غير تخصصه! فى غير مجاله! وأشجع على ترقية الأغبياء إلى الأعلى مع دعاية إعلامية لهم، وأحوّل دون صعود الكفاءات باختراع نقص الشروط حتى تبقى فى رأس الدولة العجائز والقدامى والأغبياء الجدد!، فأصيب الاتحاد السوفيتى بالإفلاس الفكرى وسقط! فعندما يوّكل الأمر إلى غير أهله يكون الانهيار حتميًا!
نلاحظ اليوم العديد من حملة الماجستير والدكتوراه الذين لم يحالفهم الحظ فى التعيين!، برغم موافقة رئيس مجلس الوزراء على اتخاذ الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة إجراء تعيين حملة الماجستير والدكتوراه! ما دفعنى لكتابة هذا المقال، ما وصلنى من رسالة من أحد هؤلاء الحاصلين على مؤهل عالٍ وعدم تعيينهم فى الجهاز الإدارى للدولة برغم صدور القرار بأحقيتهم فى التعيين وطلبوا منى أن أوصل صوتهم!
فالتمييز الإيجابى مطلوب، فالتمييز السلبى يولّد الحقد والكراهية، أما التمييز الإيجابى فيولّد الإبداع ما بين الناس، فالتمييز الإيجابى هو الاستفادة من أصحاب الكفاءات ووجود الشخص المناسب فى المكان المناسب وليس كما يحدث اليوم من تواجد الشخص غير المناسب فى المكان المناسب والعكس صحيح!، فعندما يرى البعض التمييز الإيجابى يدفعهم ذلك إلى التنافس الإيجابى أى محاولتهم الدائمة للتطور والتفوق على أنفسهم حتى يكون لهم مكان مرموق فى هذا المجتمع فيبحث دومًا عن التفوق، فما يفرق بيننا وبين الغرب هو الفكر، أى اهتمامهم بأصحاب الكفاءات ويطبقون مبدأ التمييز الإيجابى، مما جعل حديث البعض عن الرغبة فى الهجرة، لأن الدول المتقدمة تهتم بأصحاب الكفاءات ويجدون حصاد جهدهم واقعًا!، فتجد من أبدع وطوّر من نفسه وتميّز فى مجاله له مكانه المميز فى المجتمع لا يبحثون عن جنسه أو ديانته أو شكله أو ينظرون إلى سنه، بل كل ما يهمهم هو الفكر المميّز والكفاءة فى العمل، حتى أغلب الدول المتقدمة كدولة فرنسا لا تميّز بين رجل أو امرأة إلا فى الكفاءة، فهم يطبّقون التمييز الإيجابى، فنجد خير مثال لذلك المصريين رجالًا ونساء من تفوقوا خارج دولهم وشغلوا مناصب قيادية رفيعة كانوا لا يستطيعون الوصول إليها فى بلدهم الأم، وهناك من يُدرّس فى الجامعة ولو ظل داخل وطنه لخضع لشروط التعيين التعسفية وانتظار إعلان التعيين، وهناك من حصل على شهادات وتكريم من الدول المهاجر إليها يشعر بأن تعبه وجهده لم يضع هدرًا!، والكفاءة لا تشترط سنًا معينة، كما يعتقد البعض!، فنجد البعض من المصريين الذين لم يتجاوزا الثلاثين من عمرهم ووصلوا لمكانة رفيعة وحصلوا على دروع وأوسمة وكُرموا من العديد من الدول، فيبقى لدىّ سؤال: متى يُطبق نظام التمييز الإيجابى والاستفادة من أصحاب الكفاءات؟
فالله سبحانه وتعالى فى مُحكم كتابه حث على التمييز الإيجابى ونبذ التمييز السلبى ومن تلك الآيات: قال تعالى: «أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ»، و«لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ»، و«هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون»، و«لَّا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ»، و«مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا»، بل حث الله على التمييز الإيجابى: «فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً».
وقد اتجه سيادة الرئيس إلى محاولة تطبيق التمييز الإيجابى ولكن ليس بالقدر الكافي! فهو لوحده لا يستطيع بل على الجميع واجب الالتفاف حوله ومساعدته، فنجد الرئيس يحاول جاهدًا الاهتمام بالشباب وأصحاب الكفاءات محاولًا تشجيعهم ولو بأبسط الطرق لتعود عليهم بالإيجاب وتدفعهم وتحثهم على التفوق والتمييز، ولكن نُشاهد فى بعض المؤسسات حتى يومنا يتم تطبيق نظام التمييز السلبي! فنجد أصحاب الكفاءات لا تتم الاستفادة منهم بسبب الروتين القاتل وتطبيق الشروط التعسفية بلا تفكير، كما نجد كل من أبدع وتميّز متواجدًا فى مكان لا يُناسب إبداعه، مما يجعله يُصاب بالإحباط ومن ثم اليأس مما يدفعه إلى الرغبة فى ترك الوطن! أو قتل إبداعه! فعندما يُشاهد كل من يحاول جاهدًا السعى نحو تطوير نفسه والمساهمة فى تقدم وطنه أن سعيه كالسراب! ويجد الشخص غير المُناسب وغير المُبدع متواجدًا فى مكان يُناسب أصحاب الكفاءات والمُبدعين فيبدأ بالشعور بالسخط على الجميع وعلى دولته، فمن الأهمية حتى تسير دولتنا مصر فى الطريق الصحيح نحو التقدم أن تُطبق التمييز الإيجابى فى جميع المجالات والقطاعات والمؤسسات والوزارات مما يؤثر إيجابيًا على العامل النفسى للشباب ولكل الشعب ويدفعهم نحو التقدم والإبداع!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض