رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

بين.. السطور

ظلت أمى طوال السنوات السبع الفارقة بين وفاة أبى ولحظة وفاتها هى، تصنع تمثالًا لأبى ليزداد مهابة حتى بعد وفاته فيما بيننا، بل وشيدت له جسرًا من الدعاء بالرحمات وظلت تمد له فى هذا الجسر، حتى عندما اشتد عليها المرض، فقد أبت أن تقطع تلك العادة التى ورثتها عن أمها تجاه جدى، إذن فكيف فعلت أمى التى كانت كيانًا من الإنسانية ومثالًا للزوجة والأم الرؤوم، فقد كانت أمى، تذكرنا أن مقام الرجل من مقامك أنت كامرأة وزوجة، لقد أخذت على عاتقها ألا ينقطع ذكر اسم زوجها من المنزل الذى كان لها بمثابة الرمز الإنسانى، وأسد البيت مثلما كانت تطلق عليه فى حياته على الرغم من كثرة انشغال الأب وغيابه عنا أحيانًا. لسفره فكانت تعلن الحرب على من يخطئ مننا، ولو خطأ بسيطًا وتحذره بأنها سوف تقول لأبينا عند عودته، والويل كل الويل لمن صدرت له تلك الإشارة من أمى بأصبع السبابة، يظل يضرب أخماسًا فى أسداس على الرغم من أن الأب كان لا يعاقب أحدًا بالعنف على الإطلاق، لكن كان يكفى منه نظرة أو عدم الحصول على رضاه يا الله ما هذا، فكانت تقوم بوضع كل مصاريف الشهر فى جيوب أبى. وذلك بعد أن قامت بالتصرف فى ملابسه وتوزيعها على من أراد. ثم بعد ذلك لمن يستحق واستبقت على جاكتين وبالطو كانت تحبهما ولها معه ذكريات جميلة بهما، لكن الأمر لم يتوقف على ذلك، بل قامت بتصنيف المصاريف من نقود صحيحة ثم النقود المعدنية، وقامت بوضع كل فئة فى جيب بدلة، وعلى الرغم من أن جميعنا أو أحفادها كنا كبارًا إلا أننا عندما نريد شراء أى شىء تشير إلى دولاب الملابس، بل وكانت تسبقنا بلهجة شديدة فى جملة اعتاد الجميع عليها وهى خذوا من جيب بدلة ابيكم الزرقاء أو السمراء، أو ببالطو أبيكم وتسبق ذكر ذلك الله يرحمه أو الله يرحمك يا محمد يا زوجى وكانت تلك السيدة الأرملة الثكلى على زوجها لا تكل ولا تمل ولا تنسى عندما نطلب منها أية مبالغ، وحينما كنا نداعبها بأن تضع كيس النقود فى الدولاب مباشرة أو بجوارها كانت ترفض وتقول نحن نعيش على ما تركه لنا فكيف لا نذكره بالرحمات، وعلى الرغم من أن الرجل بنى مسجدًا ومياه سقية وفعل الكثير، طبقاً لما عايشته معه، إلا أنها كانت تقول إنها تريد أن تعطى لمن حولها درسًا مفاده أن من كان ما زال على قيد الحياة يدعو بالرحمات لمن أصبح تحت الثرى وتحاول أن تقول إنها تعيش على ذكراه.

هذه هى العادات والتقاليد التى تربينا عليها فى قريتنا التى ولدنا وتربينا فى طفولتنا عليها، والتى أوشكت الآن على الانقراض، فهى أم وزوجة وأوصتها جدتها بأن تفعل ذلك لزوجها وتصنع له تمثالاً من الخيال الرائع كى تظل محتفظة بكيان بيتها ثم عايشت أمها بعد وفاة الجد أيضًا، وظل البيت وكأن رب الأسرة لم يمت حتى لحقت به أمى بعد تلك السنوات، ولم نشعر بوفاته الحقيقية إلا بعد تشييع جثمان أمى رحمها الله هى وأبى، أما الآن عقب كل وفاة زوج تجد النسوة كل واحدة أثناء تقديم العزاء تهمس فى إذن الزوجة وتقول لها فرفشى اللى راح راح وانتهى أمره شوفى نفسك كدا محدش هاينفعك فوقى، وأنا أقول فى نفسى: أعوذ بالله هل هكذا أصبحت الأخلاق؟ وهل هؤلاء النسوة ينتمين للبشر، أم هن قلوب من حجر؟ وهل هذا الجو يصنع منزلًا أسريًا قويمًا، وهل يصح ذلك وهل أمرنا ديننا بهذا الهمس النسائى اللعين، فمن خلال معايشتى لقصص كثيرة فإن أبى ومن مثله كان نعمة ومصدر الأمان والحماية للأسرة لا مصدر تهديد وخوف ورعب، مثلما يحدث الآن، وهكذا كانت أمى التى عاشت على ذكراه وصنعت له تمثالًا من خيالها، حتى إن ذكرى الأب لم تغب من المنزل إلا بوفاة الأم، فهل هذه الحالات والأمثلة مثلها موجود الآن؟

إن الدين الاسلامى قد حث على ضرورة التماسك والترابط فى المجتمع الإسلامى بشكل كامل، حتى فى أحلك الظروف، وأكثرها صعوبة، لأن الأسرة هى اللبنة الأساسية فى تركيبة المجتمع بشكل كامل، من أجل الوصول إلى مجتمع خالٍ من العقد والمشاكل، فإن الراحة التى تشعر بها الأم مع الأب تجعل الأبناء يشعرون بالاستقرار والأمان فى المنزل وخارجه.