هذه الدنيا
فى شهر يوليو من عام 1995 توجهت للقاء السيد حسين الشافعى نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس قيادة ثورة يوليو السابق فى الفيللا الخاصة به بجزيرة الشاى بالمنتزه بالاسكندرية، كان السيد حسين الشافعى يقضى هناك فترة الصيف بها ويقيم بها إقامة كاملة مع أسرته، ولم يكن ينزل للإقامة فى بيته بحى الدقى إلا بعد انتهاء الصيف.
جلست مع السيد حسين الشافعى فترة طويلة امتدت عدة ساعات أحاوره عن الثورة وعبد الناصر وأنور السادات، وبعيون الصحفى لفت نظرى مدى أناقة المكان وديكوراته والانتيكات التى تنتشر فى كل أركانه.. وبعد انتهاء الحوار حرصت على القيام بجولة استطلع فيها معالم المنطقة التى رأيتها وكأنها قطعة من الجنة غير مسموح لأحد بالدخول فيها إلا بإذن أصحابها، وأعطانى زميلى إبراهيم اليابانى الذى قام بتصوير اللقاء فكرة عن المكان.. هذه فيللا جمال عبد الناصر، وتلك خاصة بجمال سالم، وأخرى تخص عبد الحكيم عامر، وهناك تقع فيللا زكريا محيى الدين.. وهلم جرا باقى أعضاء مجلس قيادة الثورة.. ونظرت أمامى فوجدت شاطىء البحر خاليًا إلا من بعض النساء، وعلمت أن هذا شاطئ خاص غير مسموح لأحد بارتياده إلا أصحاب المكان.. دار فى ذهنى خاطر أن الواحد لازم أبوه أو جده يكون جمال عبد الناصر أو أنور السادات حتى يُسمح له بأن يستخدم هذا الشاطئ النظيف والجميل.. والحقيقة أن هذا يذكرنى بمقولة شهيرة لأول رئيس لمصر محمد نجيب حين قال: إن ثورة يوليو أطاحت بملك ووضعت محله 13 ملكًا.. كانت تلك هى أول مرة أسمع فيها عن الشواطئ الخاصة.. أى الشواطئ المغلقة على فئة أو شريحة معينة.. والفكرة من حيث القانون والدستور والمنطق والعقل وبأى معيار.. فكرة مرفوضة.. البحر ملك الجميع.. ومن حق كل مواطن أن يتجول فى أى مكان ويستمتع بمعالم بلده بلا أى قيد أو شرط.. القيد الوحيد الذى أفهمه وأتقبله هو ما يتعلق بالقوات المسلحة ومواقع تمركز وحداتها.. هذا أمن قومى نحترمه ونتفهمه، وفيما عدا ذلك.. الأصل هو الإباحة..
أكتب هذا فى الوقت الذى بعث لى بعض الزملاء صورا من مطالبات بعثت بها بعض المحافظات الساحلية، وتحديدا محافظتى الإسكندرية ومطروح لإدارات القرى السياحية الواقعة فى نطاقها تطالبها بسداد مبالغ مالية مقابل استغلال الشواطئ المخصصة لها، مع التحذير بأنه فى حالة عدم الحضور سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بما يضمن حق المحافظة فى تحصيل مستحقاتها..
وبالسؤال علمت أن هذه القرى لها شواطئ خاصة مغلقة عليها ويقتصر استخدامها على أصحاب الشاليهات أو الوحدات الموجودة بها.. أى أن هذه القرى اقتطعت لنفسها مساحات من البحر والشاطئ وبسماح من إدارات هذه المحافظات واعتبرتها ملكا لها ولروادها.. والقضية هنا تتجاوز فكرة تحصيل مبالغ مالية حفاظا على حق هذه المحافظات.. إذ إن شواطئ مصر ومياهها ومواردها الطبيعية ليست مملوكة ملكية خاصة لهذه المحافظات حتى تتصرف فيها بالبيع أو التأجير أو حق الانتفاع.. «بدعة» الشواطئ الخاصة هذه ليست موجودة فى أى مكان بالعالم إلا مصر.. والسؤال: لماذا مصر التى تقبل ذلك؟ هل نحن مجتمع طبقى؟ هل نحن مجتمع لا يعرف المساواة إلا على صفحات الدستور؟ لقد بدأت الفكرة بشكل طبقى اختص به ثوار يوليو أنفسهم.. ثم تمددت مع ظهور شريحة بورجوازية جديدة خلال الأعوام الأربعين الماضية واتخذت شكلًا فئويا جديدًا يتخذ من المال والوظيفة والعمل فى بعض المواقع بالدولة وسيلة للتمييز غير المبرر، وأصبحت ظاهرة الشواطئ الخاصة وما يُرتكب بها من سلوكيات شاذة بعيدًا عن أعين الدولة والمجتمع.. أصبحت هى الأصل باستثناء قليل من المحافظات، ومن بينها محافظة بورسعيد التى يحرص محافظها اللواء عادل الغضبان على أن يكون الشاطئ مُتاحًا للجميع.. ولم تجرؤ منشأة فندقية واحدة موجودة فى بورسعيد على أن تستحوذ على متر واحد من الشاطئ الموجود أمامها.. فأصبح البحر والشاطئ هناك لكل الناس.. لرواد القرى السياحية وغيرهم من الزوار الذين يلتمسون لحظة استرخاء واستمتاع بثروات بلدهم.
افتحوا الشواطئ وتعلموا من تجربة بورسعيد.. فالبحر للجميع..