نحو المستقبل
يمثل معرض الكتاب المصرى منذ إنشائه من خمسين عامًا على يد العظيمين ثروت عكاشة أهم وأفضل وزير ثقافة لمصر ود. سهير القلماوى صاحبة فكرة إنشائه ومؤسسة أول دورة لانعقاده، يمثل المناسبة الثقافية الأهم والأوسع انتشارًا فى مصر، فالمصريون ينتظرونه عامًا بعد عامًا ودورة بعد أخرى ليحتفوا بالكتاب والمبدعين ويتشربوا جرعة ثقافية تظل معهم وحية فى ذاكرتهم طوال العام، وقد تميز معرض هذا العام ليس فقط بأنه يعقد بمناسبة اليوبيل الذهبى، بل بهذه النقلة النوعية الكبيرة فى البيئة والمكان الذى تم العرض فيه، هذه النقلة التى أعتبرها أحد تجليات الفكر الحداثى الذى ولحسن الحظ أصبح نهجًا تمارسه الدولة المصرية فى معظم إنجازاتها الحالية مثل إنشاء عاصمة إدارية جديدة للبلاد تقوم على استخدام كل التقدم التكنولوجى فى الإدارة الإلكترونية ومثل شبكة الطرق الحديثة بما تتمتع به من شمول لكل أجزاء البلاد وبأدق درجات الجودة العالمية وغير ذلك من مشروعات قومية زراعية وصناعية وعمرانية وصحية وتعليمية نراها ماثلة أمامنا وتتجلى فى واقع حياتنا بانجازات جديدة يومًا بعد يوم.
لقد تم التخطيط الجيد لنقل المعرض من مكانه الضيق القديم الذى اتسم العرض فيه بالعشوائية وفوضى التخطيط وتفاوت مستويات العرض وفساد البيئة المكانية المليئة بالأتربة والغبار، وما كان يترتب على ذلك من مشكلات حيث انتشار القمامة فى كل مكان وصعوبة الإلمام بكل الأنشطة والتعرف عليها، إلى هذا المكان المتسع النظيف المعد جيدًا لاستقبال العارضين والزوار فى قاعات وأجنحة صغرت أم كبرت فهى تتشابه من حيث طريقة العرض وأناقة الأرفف وجماليات المكان، وصاحب ذلك الإعداد الجيد للبرامج الثقافية المتنوعة من ندوات وورش عمل وأنشطة ترفيهية متنوعه للزوار وأسرهم بل وأماكن جميلة معده لاستقبال أطفالهم ليسعدوا ويلعبوا ويتعلموا أشياء كثيرة مفيدة، وقد تضافرت جهود كل أجهزة الدولة ووزاراتها المختلفة فى تقديم المساندة والدعم المطلوب للحدث الثقافى الدولى المهم بحيث تم كل ذلك التخطيط والتنفيذ على أكمل وجه ممكن وفى وقت محدد وقبل كل ذلك وبعده أن كل شىء تم بإتقان وبجودة عالية حتى الدعاية للحدث كانت على نفس المستوى من الجودة والإتقان بالاستعانة بفنانين محبوبين وبصورة جادة ومحترمة.
لقد كان الوصول إلى معرض الكتاب فى مكانه الجديد يمثل تحدياً جعله التخطيط الجيد والتنفيذ الرائع بالتعاون بين أجهزة وزارة الثقافة والدفاع والداخلية والنقل سهلاً وممتعاً رغم بعد المكان ومشقة الوصول إليه، وكانت الطوابير الطويلة التى اصطفت للدخول من كل الأعمار منظمة وتمثل مظهرًا حضاريًا جميلًا ومشرفاً، كما كان التجول فى المعرض رغم كثرة الطوابير والزحام متعه للجميع صغارًا وكبارًا وكانت قاعات الندوات وورش العمل والأنشطة الثقافية المختلفة مرتبة وأنيقة وتضفى على ممارسى هذه الأنشطة سعادة وحيوية.
وبالطبع لم يكن ممكنًا لهذا الحدث الثقافى الحداثى أن يمر دون بعض الإهانات والمشاكل التى لا يخلو منها أى نشاط إنسانى لكن المهم أنها كلها أحداث ومشكلات بسيطة سيمكن تلافيها مستقبلاً، والحقيقة أننى لا أنوى التعرض لها فى هذا المقال لأن الغرض منه هو استكمال ما كتبته فى سلسلة المقالات السابقة عن الحداثة والتحديث وقيمهما وقد أردت هنا أن أسجل أن الدولة المصرية رغم ضيق الموارد وبعض النقص فى الإمكانيات ورغم حروبها المستمرة ضد الإرهاب داخليًا وخارجيًا تحاول جاهدة وبإصرار أن تواصل رسالتها الحضارية فى إعادة بناء مصر الجديدة فى كل الميادين والمجالات متحلية بقيم الحداثة والإصرار على الاستمرار بقوة فى هذا الاتجاه، ومن ثم وجب تحية كل هذا الجهد الذى بدأ يؤتى ثماره فى صور شتى كان آخرها هذه الدورة الخمسينية المشرقة والمشرفة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب.